اليوم الأربعاء 24 يناير 2018 - 6:03 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 29 يناير 2015 - 2:25 مساءً

مراسلة عامل اقليم صفرو حول انشطة الجمعيات داخل قاعات الشباب و المدارس تثير الجدل

 كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مراسلة  السيد عامل إقليم  صفرو يدعو من خلالها      “بالحصول على ترخيص مسبق لأنشطة الجمعيات داخل قاعات دار الشباب ومؤسسات وزارة التربية الوطنية.

 هذه المراسلة خلفت العديد من ردود الأفعال بين مؤيد ومعارض.

ومن اجل تعميق البحث حول هدا الموضوع ارتأيت ان اقدم بين ايديكم هذا العرض المكون من قسمين: القسم الأول مدخل  لدراسة قانون تأسيس الجمعيات بالمغرب، والقسم الثاني سنناقش هذه المراسلة من جميع النواحي.

القسم الأول: مدخل لدراسة قانون تأسيس الجمعيات بالمغرب. 

كثيرا ما يقال أن المجتمع بدون حرية يعني مجتمع الاستبداد، والحرية بدون ضوابط قانونية تساوي مجتمع الفوضى، ومهمة رجال السلطة هي التوفيق بين السلطة وﺇكراهاتها والحرية وانزلاقاتها، ومن الحريات التي يجب أن يتمتع بها المواطن داخل المجتمع نجد حرية تأسيس الجمعيات المنظمة في المغرب بموجب الظهير الشريف رقم1.58.376 صادر في 15 نونبر 1958 يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات.

تلك الحرية التي يستند الحق فيها إلى المواثيق والعهود الدولية التي صادق عليها المغرب،  والتي تشكل قواعد نموذجية عالمية مستمدة أساسا من مجموعة من المواثيق يمكن تحديدها أساسا في الإعلان العالمي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعترف للأفراد بحق التجمع السلمي والحق في حرية المشاركة مع الآخرين بما في ذلك تشكيل النقابات، والاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان التي أكدت في المادة 115 على أنه لكل شخص الحق في حرية الاجتماع السلمي      وحرية تكوين الجمعيات، كما أكد الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب على حق كل إنسان أن يكون جمعيات مع الآخرين شريطة أن يلتزم بالأحكام التي حددها القانون.

والمغرب العضو الفعال في المجتمع الدولي والملتزم دستوريا باحترام المعاهدات والمواثيق الدولية التي هو طرفا فيها كان لا بد له أن يأخذ بعين الاعتبار القواعد النموذجية العالمية الخاصة بحرية تأسيس الجمعيات لذلك فقد عبر كباقي دول العالم عن رغبته في ترسيخ دولة الحريات مع مراعاة النصوص الدولية تجلى ذلك من خلال إقراره لظهير 1958 المتعلق بالحريات العامة الذي أقر في جزء منه مبدأ حق تأسيس الجمعيات بغير سابق إذن ولا تصريح ليعلن بذلك انخراطه ضمن الحق القانوني العالمي كدولة مستقلة    وذات سيادة، غير أن التطبيق العملي لهذا الحق أثار جملة من الإشكاليات ارتبطت أساسا بفهم المقتضيات القانونية المنظمة لحق تأسيس الجمعيات مما ساهم في تأويلها تأويلا خاطئا من قبل الإدارة ألحق ضررا بحرية الأشخاص مما استدعى تدخل القضاء لإرجاع الأمور لنصابها.

ومن أجل الإحاطة بماهية هذا الموضوع والإشكالات التي يطرحها وموقف الإدارة والقضاء منها لابد من الحديث عن النظام القانوني الذي يؤطر حرية تأسيس الجمعيات في المطلب الأول ثم التطرق لأهم العراقيل التي تحد من هذه الحرية ودور القضاء في الحد منها المطلب الثاني

المطلب الأول: نظام تأسيس الجمعيات في القانون المغربي

سوف نعالج نظام تأسيس الجمعيات من خلال فقرتين نتناول في الفقرة الأولى- التـأصيل القانوني للحق في تأسيس الجمعيات ونخصص – الفقرة الثانية لمسطرة تأسيس الجمعيات.

  • الفقرة الأولى: التـأصيل القانوني للحق في تأسيس الجمعيات

نظم المشرع المغربي تأسيس الجمعيات بموجب الظهير الشريف رقم 1.58.376الصادر في 15 نونبر 1958 حيث عرف الجمعية بكونها “اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم.

فمن خلال هذه المادة يتضح أن الجمعية هي إطار للتعاون بين الأشخاص لتحقيق أهداف معينة مشروعة لا يندرج في إطارها جني الأرباح، وتخضع من حيث شروط صحتها للقواعد العامة للالتزامات والعقود.

ونظام تأسيس الجمعيات بالمغرب يعتبر نظاما حرا إذ يعتبر من أهم الحريات العامة التي تحدد مجموع الحقوق والحريات الفردية والجماعية المعترف بها من طرف الدولة، والتي تتحمل مسؤولية ضمان ممارستها، وذلك طبقا لمقتضيات الفصل الثاني من ظهير 1958 الخاص بالجمعيات والذي ينص على أنه ” يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن بشرط أن تراعى في ذلك مقتضيات الفصل5“.

ونظرا لأهمية هذا الحق فالمشرع المغربي قد سمى به إلى مصاف الحقوق الدستورية  حيث كرسه في جميع الدساتير التي عرفتها الدولة المغربية ، وتم التأكيد عليه أيضا في الدستور الحالي (2011) الذي اعتبره من أهم الحقوق والحريات الواجب احترامها من طرف السلطات العمومية لفائدة المواطنين الذين يتفقون على التعاون فيما بينهم على استخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم.

ولهذه الغاية نجد الفصل 29من الدستور ينص على أن:”حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي ،وتأسيس الجمعيات، والانتماء النقابي والسياسي مضمونة ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات كما نص الفصل 33 من الدستور على أنه :”على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق“.

 … مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية … يحدث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي من أجل تحقيق هذه الأهداف.

فمن خلال هذه المقتضيات يتضح أن المشرع المغربي لم يعتبر فقط أن حق تأسيس الجمعيات هو حق دستوري وإنما نص أيضا على إحداث مؤسسة دستورية تسمى”المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي”، وهي عبارة عن هيئة استشارية في ميادين حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية، تناط بها مهام دراسة وتتبع المسائل التي تهم هذه الميادين، وتقديم اقتراحات حول كل موضوع اقتصادي واجتماعي وثقافي، يهم مباشرة النهوض بأوضاع الشباب والعمل الجمعوي، وتنمية طاقاتهم الإبداعية، وتحفيزهم على الانخراط في الحياة الوطنية بروح المواطنة المسؤولة

إن إحداث هذه المؤسسة الدستورية يدل على الأهمية القصوى التي يحظى بها الحق في تأسيس الجمعيات في ظلال دستور الجديد والذي يراهن من خلاله على الدفع بالمجتمع المدني بالمغرب إلى التقدم والرقي نحو الأفضل وإشراك الشباب في النهوض به لتجاوز ما كان يوصف به من كونه مجتمعا فتيا، ولتحقيق ذلك نجد المشرع المغربي قد وضع مساطر مبسطة لتأسيس الجمعيات تعتبر من ابسط المساطر المعتمدة في غالبية الدول العربية الشقيقة.

  • الفقرة الثانية :مسطرة تأسيس الجمعيات

 ينص الفصل الثاني من ظهير 15 نونبر 1958 على أنه “يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن بشرط أن تراعى في ذلك مقتضيات الفصل 5“.

وبالرجوع إلى مقتضيات الفصل الخامس، نجده قد نص بصيغة الوجوب على أن تقدم كل جمعية تصريحا إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن به مقر الجمعية مباشرة أو بواسطة عون قضائي يسلم عنه وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال، وتنص الفقرة الثانية من هذا الفصل على ما يلي:”… وعند استيفاء التصريح للإجراءات المنصوص عليها في الفقرة اللاحقة يسلم الوصل وجوبا داخل اجل أقصاه 60 يوما وفي حالة عدم تسليمه داخل هذا الأجل جاز للجمعية أن تمارس نشاطها وفق الأهداف المسطرة في قوانينها“.

وهذا يعني أن المشرع المغربي اعتمد في نظام تأسيس الجمعيات على نظام التصريح وهو نظام محمود بخلاف نظام الترخيص الذي يعتبر نظاما تسلطيا لا يتلاءم وطبيعة الحق في تأسيس الجمعيات، ونظام التصريح يعني أن تقدم الجمعية مباشرة أو بواسطة مفوض قضائي إلى السلطة المحلية ملف تأسيسها وفق الشروط المذكورة أعلاه، تسلم عنه فورا وصلا مختوما ومؤرخا في الحال، ووصلا نهائيا داخل اجل ستين يوما على الأكثر         وإلا جاز للجمعية أن تمارس نشاطها.

 إن نظام التصريح في هذه الحالة يقتضي من الناحية القانونية أن يقوم المصرح بإشعار السلطة أو الإدارة بنية تأسيس لجمعية وإخبارها ليس إلا دونما توقف نشاطه على قرار إيجابي أو سلبي صادر عن هذه الأخيرة.

وهذا يعني أن الجمعية تصبح قائمة الذات بمجرد استيفاء شكليات التصريح، وأن الوصل المؤقت أو النهائي ليس واقعة منشئة للجمعية لكن غيابه يطرح عدة عراقيل تحول دون قيام الجمعية بنشاطها بشكل عادي.

  • المطلب الثاني: العراقيل التي تواجه بها حرية تأسيسا لجمعيات بالمغرب

من أهم العراقيل التي تواجه حرية تأسيس الجمعيات نجد امتناع السلطات المحلية الإدارية عن تسلم ملف الجمعية بصفة نهائية وفي حالة تسلمه الامتناع عن تسليم الوصل المؤقت أو النهائي مما يشكل عقبة حقيقية تحد من فعالية وحرية العمل الجمعوي، ومن أجل الإحاطة بالعراقيل التي تواجه حرية تأسيس الجمعيات بالمغرب سوف نعمل على إبراز هذه العراقيل في الفقرة الأولى ثم نعمل على البحث في السبل القانونية التي تمكن من تجاوزها في الفقرة الثانية

  • الفقرة الأولى: ماهية العراقيل التي تحد من حرية تأسيس الجمعيات بالمغرب

من أهم السمات المميزة لقانون تأسيس الجمعيات نجد ارتكازها على مبدأ الحرية في التأسيس واعتماد نظام التصريح عند الإيداع وهو تقدم وتطور ينسجم مع منطق الأشياء ومع مقتضيات حقوق الإنسان، لكن البعض يرى أن عدم التدقيق في الصياغة القانونية للفصول والطبيعة المخزنية التسلطية لرجال السلطة وأجهزتها أفرغا هذا المبدأ من محتواه وحوله إلى نظام ترخيصي وقيدا مبدأ الحرية بحيث أصبح كل ذلك خاضعا لمزاج السلطة ولخصوصيات المرحلة وحسب موقف كل راغب في ممارسة الحرية من السلطة وموقف السلطة منه.

ومن خلال قراءة في جميع ما يتم تداوله في هذا الشأن يمكن القول بأن العراقيل التي تواجه بها حرية تأسيس الجمعيات في المغرب تنحصر في شكلين من التصرفات وهما:

(1)   امتناع السلطة الإدارية المحلية المختصة عن تسلم الملف القانوني للجمعية؛

(2)   امتناع السلطة الإدارية المحلية المختصة عن تسليم الوصلين المؤقت والنهائي للجمعية؛

ففي جميع هذه الحالات نسجل تصرفا  سلبيا من جانب الإدارة يتجلى في الامتناع عن القيام بعمل منوط بها بموجب القانون. غير أن الأثر القانوني لهذا الامتناع يختلف حسب الحالة.

1 )امتناع السلطة الإدارية المحلية المختصة عن تسلم الملف القانوني للجمعية: تحصل هذه الحالة غالبا لما يتعلق الأمر بجمعية ذات أهداف غير مرغوب فيها من طرف الدولة ، أو عندما يكون مكتب الجمعية يضم من بين أعضائه أشخاصا يتبنون أفكارا أو مبادئ تتنافى مع مقدسات الدولة، حيث غالبا ما توجه تعليمات للموظفين المكلفين بتسلم ملفات الجمعيات بعدم تسلم هذا النوع من الملفات. وفي هذه الحالة نجد المشرع المغربي قد ملأ الفراغ وتدخل لينص في الفصل 5 على أنه”يجب أن تقدم كل جمعية تصريحا إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن به مقر الجمعية مباشرة أو بواسطة عون قضائي، حيث أنه في الحالة التي يمتنع ممثل السلطة المحلية من تسلم ملف الجمعية تبقى الإمكانية مفتوحة أمام المعني بالأمر للجوء إلى تبليغ الملف عن طريق عون قضائي.

فالمفوض القضائي مؤهل للقيام بعملية إيداع ملف الجمعية أمام السلطة الإدارية المحلية المختصة بناء على طلب من المعنيين بالأمر، ويقوم حسب الحالة بتحرير محضر تبليغ أو محضر امتناع عن التسلم يتم الرجوع إليه عند الاقتضاء، ويوفر في هذه الحالة للطرف المعني دليلا على امتناع الإدارة من القيام بواجبها ويمكنه بناء على ذلك تقديم الطعن أمام الجهة القضائية المختصة، وذلك على خلاف الحالة التي يكون فيها الرفض شفويا حيث يصعب على الطاعن إثباته أمام القضاء خصوصا في حالة عدم الاعتراف بذلك من طرف الإدارة، وللإشارة فإن غالبية المواطنين يلجؤون في تطبيق هذه المسطرة إلى السيد رئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضيا للمستعجلات للحصول على أمر قضائي بالتبليغ في إطار مقتضيات الفصل 148 من قانون المسطرة المدنية المتعلق بالأوامر المبنية على طلب، والحال أن القانون المنظم لمهنة المفوضين القضائيين يخولهم الحق في القيام بهذا الإجراء دون الرجوع لرئيس المحكمة وفي ذلك امتياز لطالب إجراء التبليغ  يتجلى في ربح الوقت واقتصاد النفقات، لكن رغم ذلك فهذا الإجراء لا يخلو اللجوء إليه من صعوبات مادية تثقل كاهل المواطنين بنفقات إضافية هم في واقع الأمر معفون منها وقد تكون بداية لنفقات أخرى في حالة إحجام السلطة المحلية عن تسليم الوصلين المؤقت والنهائي وتفضيل المتضرر اللجوء إلى القضاء.

1)   امتناع السلطة الإدارية المحلية المختصة عن تسليم الوصلين المؤقت والنهائي للجمعية:

في تجربتنا المتواضعة في العمل الجمعوي نلاحظ معاناة بعض الجمعيات حول الحصول على وصل إيداع الجمعية سواء المؤقت أو النهائي، ويحصل ذلك لما يظهر بعد إيداع الملف والقيام بالأبحاث المخولة للسلطة المحلية المختصة بتسلم الملف بموجب الفصل الخامس كما تم تعديله  أن بعض أو كل أعضاء الجمعية لهم انتماءات سياسية أو دينية متطرفة أو اعتناقهم لأفكار من شأنها المس بمقدسات الدولة أو أن الجمعية تخفي وراء نشاطها المعلن أنشطة أخرى قد تحقق إضرارا بالمصالح العليا للدولة. فتمتنع عن تسليم الجمعية المعنية الوصل المؤقت أو النهائي حسب الحالة مما يجعلها في وضع بين المنزلتين، فهي من الناحية القانونية قد تأسست بمجرد استيفاء الشكلية المتعلقة بإيداع التصريح مكتملا طبقا لما نص عليه الفصل الخامس ويجب تمكينها من الوصل النهائي داخل أجل أقصاه ستون يوما، وفي حالة الإخلال بهذا الواجب تصبح الجمعية قائمة الذات بصفة قانونية ويمكنها ممارسة أنشطتها وفقا للأهداف المسطرة في قوانينها.

 لكن من الناحية العملية فهي لا يمكنها ممارسة أي نشاط بصفة قانونية، حيث لا يمكنها استعمال القاعات العمومية في اجتماعاتها، ولا يمكنها تنظيم المظاهرات والمواكب والاستعراضات بالطرق العمومية،   ولا يمكنها فتح حساب بنكي لدى المؤسسات المصرفية ولا الحصول على دعم من إحدى المؤسسات أو المصالح التابعة للدولة لأنه عمليا يتطلب للقيام بكل ذلك تقديم الوصل النهائي للجمعية، وفي غيابه فالجمعية تضل معطلة عن أداء مهامها بل أكثر من ذلك فقد يتعرض أعضاؤها للمضايقات وربما المتابعات القضائية بتهمة الانتماء لجمعية غير معترف بها على الرغم من أن هذه التهمة لا وجود لها في القانون المغربي، إذن فالعديد من الجمعيات التي لا تتوفر على الوصل النهائي وتستمر في العمل، فإن الوضع القانوني غير المؤكد يفقدها توازنها، ويحد من أنشطتها، ويخيف بعض أعضائها الحاليين والمحتملين..                                         لتجاوز ذلك نجد تقريرا صادرا عن منظمة هيومن رايتس ووتش سنة 2009 قد قام برصد مختلف الخروقات القانونية ودعا المغرب إلى وقف المناورات البيروقراطية المتفشية التي تقوض حرية تكوين الجمعيات، بما في ذلك الامتناع عن تسجيل المنظمات المدنية في انتهاك للقوانين المغربية، معتبرا أن”حرية تكوين الجمعيات: نظام تصريحي بالاسم فقط”، وورد في التقرير أن الممثلين المحليين لوزارة الداخلية يرفض في كثير من الأحيان قبول وثائق التسجيل عندما تكون أهداف أو أعضاء مجموعة ما لا تروق للسلطات.

وفي نفس السياق أكدت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش أنه عندما يتعلق الأمر بحرية تكوين الجمعيات، كما هو الحال بالنسبة لعديد من قضايا حقوق الإنسان الأخرى، يسن المغرب تشريعات تقدمية، ولكن الإدارة تفعل بعد ذلك ما يحلو لها.

وبعدما كثر الحديث عن اتهام وزارة الداخلية بخرق القوانين المنظمة لحرية تأسيس الجمعيات، تم طرح هذا الأمر في جلسة للأسئلة الشفوية بالبرلمان حيث أكد وزير الداخلية في معرض جوابه عن ذلك أن التعديلات التي أدخلت على القانون أصبح معها الوصل مجرد تأكيد على وضع الملف بشكل كامل بالإضافة إلى وجود عدة ضمانات منها العون القضائي وكذلك اللجوء إلى القضاء وحتى بعد مرور ستين يوما فالجمعية تعتبر قانونية، وعلى صعيد الأرقام أشار إلى انه منذ سنة 2010 إلى الآن تمت المصادقة على2000 جمعية منها 104فقط لم تتسلم الوصل، خاتما جوابه أن الدستور الجديد أصبح يفرض مراجعة القانون المنظم بما ينسجم والتوجه الجديد للدولة

فكما سبقت الإشارة فإنه لا يكفي وضع نظام قانوني متطور و يتم تقويض دعائمه خلال الممارسة العملية لأن الاختبار الحقيقي لحكومة متنورة هو الطريقة التي تعامل بها الجمعيات والمنظمات الأكثر إثارة للجدل، وحيث إن الإدارة ما هي إلا طرف في العملية ويبقى للقضاء الحق في مراقبة أعمالها وتصحيح هفواتها فإننا نتساءل عن أي دور لعبه القضاء المغربي في ضمان احترام حرية تأسيس الجمعيات؟

الفقرة الثانية : دور الاجتهاد القضائي في الحد من عرقلة حرية تأسيس الجمعيات

إن دمقرطة المؤسسات تقتضي بسط القضاء لمراقبته على أعمال الإدارة، وكل سلوك يصدر عن هذه الأخيرة فيه مخالفة للقانون  يجب أن يكون موضوعا للطعن أمام القضاء الذي يتوفر  على كامل الصلاحية لتصحيح السلوكات المشوبة بعيب مخالفة القانون أو الشطط في استعمال السلطة، وفي هذا الإطار نجد العمل القضائي قد دأب على إلغاء مجموعة من القرارات الإدارية الصريحة أو الضمنية القاضية برفض تسلم ملف الجمعية أو تسليم الوصل المؤقت و النهائي عنه.

فقد قضت المحكمة الإدارية بالرباط حديثا بإلغاء القرار الضمني لممثل السلطة المحلية الذي رفض تسلم ملف جمعية مستندة في ذلك على أحكام الدستور الجديد ومقتضيات ظهير 1958 الخاص بالجمعيات، ومما ورد في هذا الحكم القضائي الهام ما يلي: “حيث يهدف الطلب إلى الحكم بإلغاء القرار الإداري  الصادر عن قائد …… والقاضي برفض تسلم الملف القانوني للجمعية مع ترتيب جميع النتائج القانونية على ذلك، حيث تخلف المطلوب في الطعن عن الجواب رغم التوصل وحيث ينص الفصل 12 من الدستور على أنه:

 “تؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وتمارس أنشطتها بكل حرية  في نطاق احترام الدستور والقانون.

 لا يمكن حل هذه الجمعيات أو المنظمات أو توقيفها من لدن السلطات العمومية إلا بمقتضى مقرر قضائي”

 وحيث ينص الفصل 15 من الظهير الشريف رقم 1.58.376 صادر في 15 نونبر 1958 الضابط لحق تأسيس الجمعيات كما وقع تغييره وتتميمه بأنه ” تقدم كل جمعية تصريحا إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن به مقر الجمعية مباشرة أو بواسطة عون قضائي يسلم عنه وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال وتوجه السلطة المحلية المذكورة إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية المختصة نسخة من التصريح المذكور وكذا نسخا من الوثائق المرفقة به المشار إليها في الفقرة الثالثة بعده، وذلك قصد تمكينها من إبداء رأيها في الطلب عند الاقتضاء“.

وحيث إن رفض قائد قيادة . تسلم ملف الجمعية وتسليم الوصل المؤقت حسب الثابت من محضر المفوض القضائي لعدم الاختصاص رغم كونه مختص قانونا بتسلم الملف وتسليم التوصيل رغم توافر الملف على سائر الوثائق المتطلبة قانونا يشكل مخالفة دستورية لحرية تأسيس الجمعيات وللنظام التصريحي -وليس الترخيصي – الذي تقوم عليه والذي لا يمنح للإدارة أي صلاحية تقديرية بشأن التصريح مما يجعل القرار الإداري المطعون فيه  يشكل اعتداء على  صلاحية السلطة القضائية باعتبارها الجهة الوحيدة المخول لها دستوريا توقيف الجمعية أو حلها .

وحيث إن صيرورة القرار الإداري المطعون فيه منعدما باعتباره يشكل اعتداء ماديا على حق تأسيس الجمعيات، بشكل يجرده من المشروعية يجعله مشوبا بعيبي مخالفة القانون وعدم الاختصاص وحليفه الإلغاء”.

      يتضح إذن من خلال حيثيات هذا الحكم أن القضاء استند على مقتضيات دستورية للقول بعدم شرعية القرار الإداري القاضي برفض تسلم الملف القانوني للجمعية نافيا أن يكون للإدارة أي دور في مراقبة مدى قانونية أو شرعية الجمعية بمناسبة تأسيسها حيث يقتصر دور السلطة المحلية على مراقبة توفر الوثائق المطلوبة في تكوين الملف ثم الإشهاد على هذه الواقعة من خلال تسليم وصل الإيداع.

وفي نازلة أخرى ألغى القضاء الإداري القرار الضمني لرئيس المنطقة الحضرية تطوان الأزهر القاضي برفض تمكين جمعية من وصل إيداع ملفها التأسيس وذلك لمخالفته لمقتضيات الفصل 5 من القانون المتعلق بحق تأسيس الجمعيات ومن حيثيات هذا الحكم ورد ما يلي:

” وحيث في نازلة الحال، لا تنازع الإدارة في أن الطاعنة قد تقدمت بتصريح بالتأسيس في إطار الفصل المذكور منذ 04/01/2006 دون أن تمكنها لا من الوصل المؤقت رغم التنصيص على فورية تسليمه ولا من الوصل النهائي رغم مرور أجل 60 يوم على واقعة إيداع التصريح .

وحيث يقتصر دور السلطة الإدارية المحلية في إطار مقتضيات الفصل 5 المشار إليه على تلقي التصريح بتأسيس الجمعيات وتسليم الوصل المؤقت فورا ثم إحالة نسخة من التصريح  على   النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية لإبداء رأيها للانتقال إلى مرحلة تسليم الوصل النهائي إثر مرور60 يوم على الإيداع الأول، مما حاصله أن الرقابة التي تجريها الإدارة على التصريحات المذكورة لا تستدعي مبادرتها إلى اتخاذ إجراءات انفرادية كسلطة إدارية من خلال الامتناع عن تسليم الوصلين المذكورين، بقدر ما تسمح لها بتحريك طلب التصريح ببطلان الجمعية أو حلها لدى الجهة القضائية المختصة في إطار الفصل 7 من نفس القانون .

 وحيث بإحجامها عن تمكين الطاعنة من وصل التأسيس النهائي، تكون الإدارة قد خالفت مقتضيات الفصل 5 من القانون المتعلق بحق تأسيس الجمعيات، ويتعين الحكم بإلغاء قرارها المذكور.

وفي قرار آخر اعتبرت نفس المحكمة أن تسليم الوصل المؤقت والنهائي لا يعتبر قرارا إداريا منشئا لمراكز قانونية وإنما هو مجرد إشهاد على واقعة مادية، حيث اعتبرت المحكمة أنه “طبقا لمقتضيات المادة 8 و20 من القانون رقم 90.41 المحدثة بموجبهما محاكم إدارية ،فإن العمل الإداري الذي يقبل الطعن عن طريق دعوى الإلغاء، هو الذي ينطبق عليه وصف”القرار الإداري ، وهذا الأخير  كما استقر على تعريفه الفقه والقضاء هو إفصاح  الإدارة عن إرادتها المنفردة والملزمة بقصد إحداث تأثير في المركز القانوني للمخاطب به أو تعديله أو تغييره .  وهو بذلك يشترط فيه استيفاؤه لمجموعة من المقومات الجوهرية تتمثل في صدوره عن سلطة إدارية وطنية، ومؤثرا الوضع القانوني للطاعن، وأن يكتسي صبغة نهائية، ويترتب على العنصر الثاني أن الإجراءات التي ينتفي عنها الطابع  التقريري وتكتفي فقط بالإشهاد على واقعة معينة دون أن تكون منشئة لها، لا تعتبر  قرارات إدارية وتستبعد بالتالي من نطاق دعوى   الإلغاء .

وحيث في نازلة الحال، فإن الوصل النهائي المطعون فيه لا يخرج في مدلوله عن كونه مجرد إشهاد بواقعة مادية تتمثل في توصل السلطة المحلية بملف التصريح بتأسيس اتحاد الملاك المشتركين لإقامة “الزيتونة”، بصرف النظر عن سلامة وقانونية  ذلك التأسيس من عدمها والتي يرجع أمر الحسم فيها  إلى الجهة المختصة ، سيما و أن الطاعنين يقران بأن ذلك التصريح أخذ شكلا لتصريح بجمعية،  وهو ما يجعل السلطة المذكورة ملزمة بتسلمه ومنح الوصلين المؤقت والنهائي بشأنه حتى ولو كان التأسيس المصرح به غير قانوني ، في ظل نظام تأسيس الجمعيات المعتمد من طرف المشرع المغربي القائم على التصريح فقط دون حاجة إلى ترخيص مسبق ، ويتوجب على المعني بالأمر اللجوء إلى مسطرة التصريح بحل  الجمعية في حالة مخالفتها للقانون .

وحيث تبعا لذلك، يكون الإجراء المطعون فيه يفتقد لمواصفات القرار الإداري القابل للطعن بالإلغاء، ويتعين التصريح بعدم قبوله.

      وهذا الاتجاه الذي كرسته المحكمة الإدارية يؤكد ما سبقت الإشارة إليه من كون السلطة الإدارية المحلية المختصة بتسلم ملف التصريح بتأسيس الجمعية لا حق لها بتاتا في مناقشة مشروعية أو عدم مشروعية الجمعية حيث يبقى ذلك من اختصاص القضاء ويقتصر دور السلطة المحلية على الإشهاد على واقعة إيداع ملف الجمعية.

     إذن يتضح من خلال ما سبق أن القضاء الإداري قد ساهم بشكل فعال في تصحيح سلوك الإدارة وضمان احترام النصوص القانونية المعمول بها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقعنا الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر، وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: اننا نشجّع قرّاءنا على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا نسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا نسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا نسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية.


أخبار وطنية

منطقة أكلموس بإقليم خنيفرة بين التهميش و الملفات الثقيلة في إنتظار المحاسبة
7 يناير 2018 / قراءة

منطقة أكلموس بإقليم خنيفرة بين التهميش و الملفات الثقيلة في إنتظار المحاسبة

صفروسوريز: هشام بوحرورة في لقاء لنا مع السيد _ ع . أ _ كاتب فرع الشبكة الوطنية لحقوق الانسان بأجلموس ، و في رده عن الاسباب المباشرة التي دفعت الجمعية لتنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر دار المرأة القروية الذي جاء بشكل مفاجئ ، حيث كان برنامج الجمعية حضور ندوة بدار…
+ المزيد من أخبار وطنية ...