اليوم الأربعاء 23 أغسطس 2017 - 8:22 مساءً
أخر تحديث : الأربعاء 31 ديسمبر 2014 - 1:13 مساءً

مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي بالمغرب

شكري عبد الخالق 

طالب باحث في صف الدكتوراه
كلية الحقوق طنجة

يعتبر إقرار مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي بنص دستوري، تطورا كبيرا في نظام مسؤولية الدولة عن أعمال الجهاز القضائي، ويمثل اعترافا بحق المواطن في الحصول على التعويض عن الاضرار التي لحقته جراء السير المعيب لمرفق القضاء باعتباره مرفقا عاما من مرافق الدولة تتحمل هذه الاخيرة مسؤولية الاضرار الناتجة عن نشاطه.

فقد أقر الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل 122 منه “حق كل متضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تمنحه الدولة” وأدرج هذا الفصل ضمن الباب المتعلق بالسلطة القضائية تحت عنوان حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة[1].

ويمكن القول بأن تكريس حق التعويض عن الخطأ القضائي بنص دستوري يؤكد النهج الحقوقي الذي انخرط فيه المغرب من خلال القطع مع بعض التوجهات السابقة المستمدة من تطبيق حرفي لمبدأ عدم المسؤولية عن النشاط القضائي، ذلك أن الطابع الحقوقي الذي يطغى على نصوص الدستور بدءا من تكريس استقلالية القاضي في اداء وظيفته والارتقاء بالقضاء الى مصاف السلطة المستقلة، وكذا النصوص التي أقرت تعميم مبدأ المحاسبة والمسؤولية، تجعل القضاة الموكل إليهم أمر تطبيق القانون بروحه ومدلوله، أمام مسؤولية تاريخية لترجمة هذه المبادئ على ارض الواقع من خلال اجتهادهم في فهم النصوص القانونية، مع مراعاة خصوصية العمل القضائي، في انتظار تنزيلها في قوانين من طرف السلطة التشريعية، تبين بدقة المقصود بالخطأ القضائي، والحدود الفاصلة بين هدف كفالة حق التعويض للمتضرر وتكريس حقه في مقاضاة الدولة عن هذا الخطأ وضمان استقلال القضاء.

وتكمن أهمية الموضوع فيما يطرحه من أهمية نظرية وعلمية تتمثل في خصوصيته والإشكاليات التي يطرحها، ومدى تدخل القضاء لحلها، وكل ذلك أمام عدم تنزيل الدستور لغاية يومه هذا

–  و تتمحور الإشكالية الرئيسية للموضوع حول مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي. وتتفرع عن هذه الإشكالية الأساسية إشكاليات فرعية تشكل المحاور الكبرى للبحث، ويمكن عرضها مجملة على شكل أسئلة من قبيل: هل يجوز للمتضرر أن يقاضي الدولة عن جميع الاضرار التي قد تسببها أعمال السلطة القضائية؟ وما هو أساس هذه المسؤولية والجهة المختصة بالبت فيها؟ وماهية حدود اختصاص القضاء الإداري في الخطأ القضائي؟

الباب الاول: الإشكاليات المرتبطة بتحديد الجهة القضائية المختصة بالبت في قضايا المسؤولية عن الخطأ القضائي:

لقد شكلت القضايا التي طرحت على القضاء الإداري بعد صدور الدستور الجديد، فرصة لتلمس بوادر اجتهاد قضائي ينسجم مع روح الدستور من خلال بعض القرارات والأحكام التي صدرت بمناسبة بت المحاكم الإدارية في موضوع الاختصاص النوعي للنظر في قضايا المسؤولية عن الخطأ القضائي.

ولاشك أن تحديد الجهة القضائية المختصة بالنظر في المنازعات القضائية عموما، يكتسي أهمية بالغة اعتبارا لعلاقته بمبادئ دستورية وحقوقية، من قبيل الحق في المحاكمة العادلة والسريعة وفي آجال معقولة، فليس أدعى للشك في عدالة أي نظام قضائي من تعذر تحديد الجهة المختصة بسبب اللبس الذي قد ينتج عن غموض النص القانوني أو اختلاف القضاء في اعتماد معايير مضبوطة عند تحديد طبيعة الخطأ والجهة المسؤولة عنه وعدم الحسم في تنازع الاختصاص في ظل غياب محكمة للتنازع على غرار الانظمة القضائية التي تعرف نظام ازدواجية القضاء والذي تسير بلادنا قدما نحو تحقيقه.

وقد أصبح القضاء المغربي في ظل اقرار هذا المبدأ دستوريا مدعوا الى تحديد موقفه بخصوص هذا النوع من القضايا، وأول ما طرح عليه بهذا الصدد هو تحديد الجهة المختصة نوعيا بالفصل فيها، إذ ان أول دفع يثار بصدد عرض هذه القضايا على القضاء الإداري هو الدفع بعدم الاختصاص النوعي استنادا الى نفس المبررات التي كانت تثار في العهد السابق على تطبيق أحكام الدستور الجديد، والتي تستند الى كون العمل القضائي لا يخضع للمساءلة وان مسؤولية القضاة منظمة في اطار مسطرة المخاصمة مع وجود جهة قضائية موكول لها امر البت فيها وان الخطأ المرتكب في اطار مرفق القضاء ليس خطأ مرفقيا تسأل عنه الدولة.

ويمكن القول بأن القضاء الإداري ممثلا في المحاكم الإدارية بعد صدور الدستور الجديد، أصبح لا يتردد في قبول النظر في دعاوى المسؤولية عن الخطأ القضائي بعد أعمال المقتضيات القانونية المحددة لتوزيع الاختصاص[2]، ونورد فيما يلي حكما للمحكمة الإدارية بالرباط حاولت من خلاله بيان الحد الفاصل في توزيع الاختصاص بين القضاء الإداري والعادي، وهو الحكم الصادر بتاريخ 20/3/2013 في الملف عدد 171/12/2012 والذي جاء فيه:” وحيث إن تحديد الجهة القضائية المختصة يقتضي تكييف طبيعة الخطأ المرتكب ونوعية المرفق موضوع المساءلة والجهة المسؤولة عنه وما إن كان يشكل خطأ شخصيا يسأل عنه القاضي مدنيا في اطار حالات المخاصمة ام خطأ مرفقيا تسأل عنه الدولة في اطار قواعد المسؤولية الادارية.

– وحيث إن الخطأ المدعى به صدر بمناسبة البت في دعوى معروضة امام محكمة النقض في اطار الوظيفة القضائية المسندة لمرفق القضاء الذي يعتبر مرفقا عاما من مرافق الدولة، يخضع لقواعد المسؤولية التي تحكم هذا المرفق والعاملين به، وتبعا لسلطة المحكمة في تكييف طبيعة الخطأ، والتزاما بمقتضيات الدستور التي أوجبت التطبيق السليم والعادل للقانون، وبصرف النظر عن الاطار القانوني الذي أطر فيه المدعي دعواه، فإنه بعد دراسة كافة معطيات القضية تبين لها انه لا يوجد ما يثبت كون الخطأ المنسوب للهيئة القضائية صدر عن غش أو تدليس أو غدر أومحاباة من القاضي لأحد الأطراف، وبالتالي لا يندرج ضمن حالات المخاصمة المقررة بموجب الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية التي توجب عند تحققها تحميل القاضي المخل بواجبات منصبه المسؤولية المدنية عن الخطأ المرتكب من طرفه طبقا للفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود،على اعتبار ان دعوى المخاصمة هي دعوى مسؤولية مدنية ترمي إلى جبر الضرر عن طريق التعويض، مما يتعين معه استبعاد الدفع بعدم اختصاص المحكمة نوعيا للبت في الطلب وباختصاص محكمة النقض طبقا لمسطرة المخاصمة لعدم تحقق شروطها.

وحيث إنه مادام المشرع لم يحدد جهة قضائية معينة للبت في طلبات التعويض عن الخطأ القضائي المؤسسة على الفصل 122 من الدستور المغربي، فإن المحكمة الادارية تبقى صاحبة الولاية العامة –  استنادا الى مقتضيات المادة الثامنة من القانون المحدث لها – للبت في طلب التعويض عن الخطأ المرتبط بسير مرفق عمومي والتحقق من قيام شروط مسؤولية الدولة عنه طبقا لقواعد المسؤولية الادارية المقررة بموجب الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، تأكيدا لخضوع مرفق القضاء لمبدأ المساءلة المقرر دستوريا”.[3]

غير انه يبدو ان الغرفة الإدارية بمحكمة النقض لازالت تتردد في إقرار اختصاص القضاء الإداري لنظر دعاوى المسؤولية عن الخطأ القضائي.

الباب الثاني: نطاق اختصاص القضاء الاداري من خلال بعض صور الخطأ القضائي:

ونتولى فيما يلي عرض ابرز حالات مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي، مع التركيز على تحديد الجهة المختصة نوعيا بالبت بحسب حالات المسؤولية، مستنيرين ما أمكن الأمر، باجتهاد القضاء المغربي بهذا الخصوص.

أولا- مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي اثر صدور حكم لاحق بالبراءة بعد حكم جنائي بالإدانة:

يعد التعويض عن الخطأ القضائي اثر صدور حكم لاحق بالبراءة بعد حكم جنائي بالإدانة استثناء من القاعدة السابقة التي كانت تقر مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن اعمال القضاء، وبموجبه يحق للمتضرر من قرار قضائي قضى بإدانته وثبتت براءته فيما بعد، حق المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحقه جراء هذا الخطأ القضائي.

وقد جاء في المادة 573 من قانون المسطرة الجنائية مايلي: “يمكن استنادا إلى المقرر الجديد المترتبة عنه براءة المحكوم عليه وبناء على طلبه الحكم له بتعويض عن الضرر الذي لحقه بسبب الإدانة.

إذا كان ضحية الخطأ القضائي قد توفي انتقل الحق في رفع طلب التعويض حسب نفس الشروط إلى زوجه وأصوله وفروعه ولا يمكن أن يؤول هذا الحق لأقارب آخرين أبعد صلة إلا إذا أدلوا بما يبرر أن ضررا ماديا لحقهم من العقوبة المحكوم بها.

يقبل طلب التعويض في سائر مراحل مسطرة المراجعة.

تتحمل الدولة ما يحكم به من تعويضات على أنه يحق لها الرجوع على الطرف المدني أو الواشي أو شاهد الزور الذين تسببوا بخطئهم في صدور العقوبة وتؤدى التعويضات كما تؤدى مصاريف القضاء الجنائي”.

ويشكل هذا النوع من الاخطاء الصورة المثلى والواضحة للخطأ القضائي المطلوب التعويض عنه، إذ تقوم في هذه الحالة مسؤولية الدولة أيا كان مرتكب الخطأ والمرحلة التي تم خلالها ارتكابه، إذ أن العملية القضائية مركبة بدء من مرحلة البحث التمهيدي او التحقيق الاعدادي الى غاية اصدار الحكم.

ويمكن القول بان أساس هذه المسؤولية هو نص القانون من خلال قانون المسطرة الجنائية غير ان البت في التعويض عن الضرر الناجم عنه اثر صدور حكم المراجعة تنازعه اتجاهان وفق ما سيأتي بيانه.

إذ أن القضاء المغربي اختلف في تحديد الجهة المختصة بالبت في طلب التعويض، فذهب اتجاه قضائي إلى منح الاختصاص حصرا للغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى باعتبارها صاحبة الاختصاص للبت في طلب المراجعة وفقا للمادة 568 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أن طلب المراجعة يحال إلى الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى، وكذا المادة 573 من نفس القانون التي تنص في الفقرة الثالثة على أن طلب التعويض يقبل في سائر مراحل مسطرة المراجعة. وهو الاتجاه الذي سار فيه قرار المجلس الأعلى- الغرفة الإدارية – عدد 558 بتاريخ 27/06/2007 والذي قضى بأن الاختصاص النوعي في الحكم بالتعويض لفائدة ضحية الخطأ القضائي يرجع إلى الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى حسب الأحوال الواردة في المادتين 571 – 573 من المسطرة الجنائية [4].

بينما يذهب اتجاه آخر إلى القول بأن الاختصاص للبت في طلب التعويض، هو اختصاص مشترك بين القضاء الجنائي ممثلا بالغرفة الجنائية والقضاء الإداري باعتباره صاحب الاختصاص الأصلي للبت في طلبات التعويض عن الخطأ القضائي المقام ضد الدولة استنادا إلى المادة الثامنة من القانون المحدث للمحاكم الإدارية وأن للمتضرر حق الخيار في هذه الحالة، وقد سارت في هذا الاتجاه محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط التي أصدرت بتاريخ 28/11/2007 في الملفين 41/6/2006 و28/7/2006 قرارا قضى بتأييد الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالتعويض، وجاء في ردها عن الدفع بعدم الاختصاص النوعي للمحكمة الإدارية لفائدة اختصاص الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى ما يلي: “لكن حيث إن عبارة: يقبل طلب التعويض في سائر مراحل مسطرة المراجعة الواردة في الفقرة الثالثة من المادة 573 من ق م ج لا تفيد حتما أن اختصاص القضاء الجنائي للبت في طلب التعويض عن الضرر الناتج عن الخطأ القضائي المقدم من قبل من صدر قرار المراجعة لفائدته هو اختصاص مانع لا يزاحمه فيه القضاء الإداري بل إن صدور هذا القرار لا يمنع المتضرر من تقديم طلب التعويض أمام المحكمة الإدارية استنادا إلى المادة الثامنة من القانون رقم 41/90 التي تمنح الاختصاص للمحاكم الإدارية للبت في دعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام بدليل أن هذه المادة استثنت فقط الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات يملكها شخص من أشخاص القانون العام ولم تستثن الأخطاء الناتجة عن الخطأ القضائي موضوع نازلة الحال ويستنتج من ذلك أن للمتضرر من هذا الخطأ الخيار بين تقديم طلب التعويض أمام القضاء الجنائي في إطار مسطرة المراجعة الجارية أمام المجلس الأعلى أو أمام المحكمة الإدارية بعد صدور قرار المراجعة لفائدته”[5].

ونرى أن الاتجاه الأولى بالتأييد هو الاتجاه الذي يقول بالاختصاص المشترك للبت في طلب التعويض، مع القول بأن الأصل هو أن يبت في طلب التعويض أثناء النظر في طلب المراجعة.

ثانيا- المسؤولية عن أعمال النيابة العامة والجهة المختصة بالبت فيها:

دأب قضاء الغرفة الإدارية بمحكمة النقض على استبعاد أعمال النيابة العامة من نطاق المساءلة القضائية في إطار دعاوى التعويض عن نشاط مرفق القضاء، في ظل أحكام الدستور القديم، وكان يتصدى بالإلغاء للأحكام التي كانت تسير في اتجاه إقرار المسؤولية الإدارية والقول باختصاص القضاء الإداري للنظر فيها.

إذأقرت بعض المحاكم الإدارية اختصاصها بالنظر في دعاوي التعويض عن القرارات القضائية المرفوعة في إطار المادة الثامنة من القانون رقم41/90 المحدث للمحاكم الإدارية، ففي حكم للمحكمة الإدارية بأكادير [6] بمناسبة نظرها في الطلب الرامي إلى التعويض عن الأضرار الناجمة عن حجز ثلاث حافلات وإيداعها بالمحجز البلدي دون وجه حق، ورغم الدفع بعدم اختصاص المحكمة للبت في موضوع الدعوى تطبيقا لمقتضيات الفصل 391 من ق م م باعتبار أن قرار الحجز المترتب عنه الضرر المطالب بتعويضه صادر عن القضاء وان المجلس الأعلى هو المختص لنظر الدعوى، قضت المحكمة بانعقاد اختصاصها استنادا إلى كون الفصل 391 من ق م م يتعلق بمخاصمة القضاة وان هذا يختلف عن دعوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، معتبرة أن القرارات القضائية تعتبر من أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام.

غير أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) ألغت هذا القرار وقضت بعدم الاختصاص النوعي للمحكمة باعتبار أن قرار النيابة العامة صدر في إطار العمل القضائي المخول لها[7].

أما بخصوص الأعمال المرتبطة بالتدبير الإداري لمرفق النيابة العامة، بعيدا عن مسؤولية اعضاء النيابة،فتخضع لدعوى المسؤولية الإدارية، وفق ما ذهبت إليه الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى[8] حيث اعتبرت أن الإدارة مسؤولة عن ضياع شيك أودع بمصالح النيابة العامة وأن المسؤولية تقوم على أساس الخطأ المصلحي وأن الأمر لا يتعلق بخطأ قضائي.

وقد سار في هذا الاتجاه حكم حديث للمحكمة الإدارية بالرباط صدر بتاريخ 25/7/2013 قضى بمسؤولية الدولية عن الخطأ المنسوب للنيابة العامة، ونورد فيما يلي حيثيات هذا الحكم لاهميته:

” وحيث إن مرفق القضاء،وما يتفرع عنه من جهاز النيابة العامة ،المعتبر دستوريا هيئة قضائية،وباعتباره من المرافق العمومية للدولة شأنه شأن باقي الإدارات العمومية يخضع لقواعد المسؤولية الإدارية ،ولا يحد من المسؤولية أو يلغيها من حيث المبدأ استقلال القضاء أو خصوصية الأعمال القضائية،لأن السلطة القضائية ليست فوق المحاسبة أو المساءلة ،طالما أن الشرعية أو المشروعية هي  عماد المؤسسات وحصنها الأساسي لخضوع الجميع لمقتضياتها،حاكمين ومحكومين، وواجب المحاسبة المكرس دستوريا في الفصل 154 هو المحك الأصلي لإثبات وجودها وفعاليتها حماية لحقوق المتقاضين  وضمانا لقواعد سير العدالة المكرسة دستوريا وصونا للأمن القانوني والقضائي.

وحيث نصت المادة 120 من الدستور على حق كل شخص في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.

وحيث نصت الفقرة الثانية من المادة 22 من الدستور على أنه لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.

وحيث نصت المادة 122 من الدستور على “حقكل متضرر من خطإ قضائي  من الحصول على تعويض تتحمله الدولة “.

وحيث نصت المادة 117 من الدستور  على  تولي القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون.

وحيث نصت المادة 37 من قانون المسطرة الجنائية على تولي النيابة العامة  السهر على تنفيذ المقررات القضائية .

وحيث إن الثابت من وثائق الملف ولاسيما محاضر الجلسات الجنحية المدلى بها تخلف النيابة العامة عن تنفيذ أوامر المحكمة بإحضار المدعي المتابع لعدة جلسات أو إحضاره مع عدم إحضار المتابعين معه على ذمة نفس القضية( على سبيل المثال لا الحصر -محاضر جلسات :17-1-2012و14-2-2012و1-3-2012 و22-3-2012 و5-4-2012و 17-4-2012 و 29-5-2012 و 14-6-2012و21-6-2012) مما تسبب في تأخير المحاكمة عقب كل تأخير لتنفيذ الإجراء القانوني المطلوب من طرف هيأة الحكم  في الملف عدد 4090-2010-المحكمة الابتدائية الزجرية بالبيضاء.

وحيث إن تقصير النيابة العامة في الرقابة على الشرطة القضائية بإلزامها على تنفيذ الإجراءات بإحضار المتابعين أمام المحكمة،وتحريك الوسائل القانونية في مواجهتها تدعيما لمبدأ المحاسبة والمسؤولية تطبيقا للفصلين 128 و 154 من الدستور و للفصول 18 و 37 و 40 و 45 و 364 من قانون المسطرة الجنائية،وعدم تدارك الخطأ،رغم الطلب المتكرر للدفاع والمحكمة لعدة جلسات ،بشكل أصبح التأخير وتأجيل المحاكمة أمرا اعتياديا  لا لبس فيه،يرتب مسؤولية النيابة العامة عن الخلل في سير مرفق القضاء وعرقلة نشاطه المعتبر خطأ جسيما، مما جعل  صورة المرفق والثقة فيه تتضرر من  كثرة التّأجيلات وعبثية إجراءات المحاكمة التي لم يجدى منها شيء للإخلال بجميع مبادئ المحاكمة العادلة في جميع صورها( المادتين 23 و 120 من الدستور) ولاسيما مبدّأ قرينة البراءة والمحاكمة في أجل معقول،و احترام كرامة الأشخاص المتابعين  وحرياتهم ،و الولوج السهل والسريع والشفاف للعدالة ،و هيبة القضاء والدفاع ورجاله إن لم يكن  المساس بسمو القانون نفسه  وما يفرضه من مستلزمات جودة الخدمة القضائية التي أساسها احترام حقوق وحريات  المواطن كان متابعا أو ضحية،وضمان الأمن القانوني والقضائي.

وحيث إن الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المملكة أوجبت على السلطة القضائية صيانة مبادئ المحاكمة العادلة وصونها وعلى أساسها احترام كرامة المتابعين والابتعاد عن  مظاهر  المعاملة اللاإنسانية أو المهينة ( المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،المادتين 7 و 14 من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية ،المادتين 1 و 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب ومختلف ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة).

وحيث إن عدم تنفيذ النيابة العامة لمقرر المحكمة الزجرية بإحضار المتابعين لجلسات المحكمة بالمخالفة للأسس الدستورية والقانونية الوطنية والدولية ألحق ضررا مباشرا ماديا ومعنويا للمدعي  تمثل في تفويت فرصة المحاكمة العادلة عليه وبقائه أكثر من سنة بدون محاكمة في حالة “اعتقال احتياطي”  غير مبرر مس بمبدأ قرينة البراءة وبحقه في الحرية وبإنسانيته،وما سببه ذلك من آثر نفسي ومعاناة وألم من جراء هذه الإجراءات الباطلة ، وتحملات مادية عن مصاريف الدفاع ،فقد ارتأت المحكمة تبعا لقواعد العدل والإنصاف باعتباره أساس المسؤولية الإدارية الموضوعية، وتبعا لسلطتها التقديرية في تحديد التعويض المناسب جبر الأضرار اللاحقة بالمدعي في مبلغ 100.000.00درهم”.

ويبدو واضحا من حيثيات هذا الحكم استلهام القاضي الإداري لروح الدستور ونصوصه، ومحاولة تطبيقها على ارض الواقع لإقرار الحق في المحاكمة العادلة وضمان إصدار الاحكام في اجال معقولة، من خلال الزام النيابة العامة بتحمل مسؤوليتها كاملة اثناء مباشرة اختصاصاتها بخصوص سير الدعوى العمومية بفرض الرقابة المطلوبة على عمل الضابطة القضائية باعتبارها قانونا تخضع لسلطتها الرئاسية، وتعمل تحت اشرافها.

ولاشك ان هذا الحكم سيثير الكثير من الجدل القانوني حول الاساس القانوني لمسؤولية النيابة العامة عن الاعمال القضائية الصرفة، في ظل الاتجاه القضائي السائد، الذي يخرج من نطاق الاختصاص النوعي للبت في هذه القضايا اعمال النيابة العامة التي تكتسي طابعا قضائيا ما دام ان الحكم القاضي بالاختصاص النوعي بالبت في النازلة، لم تقل فيه الغرفة الادارية بمحكمة النقض قولها الفصل، فضلا عن حدود مسؤولية النيابة العامة في علاقتها باجهزة مساعدة لها لا تخضع كليا لرقابتها المباشرة، مع ما يقتضيه الامر من وجوب التمييز في هذه الحالة بين مسؤولية النيابة العامة ومسؤولية الشرطة القضائية، وتحديد الجهة الموكول لها امر اداء التعويض، باعتبار الدعوى في جوهرها دعوى مسؤولية عن خطأ مرفقي يقتضي بيان نوع الاخلال المنسوب لسير المرفق والجهة المسؤولة عنه بكل دقة.

ثالثا- المسؤولية عن الاعتقال الاحتياطي الخاطئ والجهة المختصة بالبت فيه:

لقد أقرت بعض التشريعات أحقية المتضرر من اعتقال احتياطي ثبتت براءته من التهمة المنسوبة له، في الحصول على تعويض عن مدة اعتقاله علاوة على الضرر المعنوي اللاحق به جراء ذلك، ومن تلك التشريعات ما أقره المشرع الفرنسي من خلال  القانون رقم 643 الصادرفي17يوليوز1970 في المادتين149و150منقانونالمسطرةالجنائية الفرنسي،  فقد نصعلى حق التعويض لمنكانم حلال لاعتقال الاحتياطي إذا انتهى التحقيق إلى قراربأنلا وجه لإقامةالدعوى الجنائية أوقضى بالبراءة بحكم بات.

وقد أقرت المحكمة الادارية بالرباط في حكم حديث لها اختصاصها في نظر دعوى المسؤولية عن الخطأ القضائي المتمثل في الاعتقال الاحتياطي، غير انها أوجبت لقيام المسؤولية اثبات ركن الخطأ للاقرار بهذه المسؤولية، خلافا لما اقرته بعض التشريعات من اعتماد نظرية المخاطر، التي لا تستلزم اثبات الخطأ بحكم انها اسندت البت في التعويض للجنة ادارية كما هو الحال في فرنسا مثلا، ذلك أن اكتساب قرار الاعتقال الاحتياطي صبغة الخطأ أو التعسف المرتب للمساءلة القانونية، يتطلب إثبات براءة المعتقل احتياطيا من المنسوب إليه بمقتضى حكم قضائي بات، يثبت بصفة نهائية وقطعية براءة الشخص المتابع.

ونورد فيما يلي حيثيات حكمها الصادر بتاريخ 23/1/2013 في الملف عدد 50/12/2012:

” وحيث أسس المدعي دعواه على كون ثبوت التقصير في البحث والتقصي من طرف النيابة العامة بخصوص واقعة تقادم الشكاية المقدمة ضده بشأن عدم تنفيذ عقد، والأمر باعتقاله احتياطيا يشكل خطأ قضائيا في تطبيق القانون، يستحق معه تعويضا عن الضرر المادي والمعنوي اللاحق به جراء ذلك.

وحيث أقر الدستور المغربي الجديد حق التعويض عن الخطأ القضائي طبقا لمقتضيات الفصل 122 منه الذي جاء فيه مايلي:”يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة”، كما أكد في الفصل 23 منه على أنه: ” لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته او ادانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون”.

وحيث إنه ولئن كان ﺗﻘﺮﻳﺮ اﻟﺤﻖ ﻟﻠﻤﺘﻬﻢ اﻟﺬي ﺻﺪر ﺣﻜﻢ ﺑﺒﺮاءﺗﻪ أو لمن تضرر من خطأ قضائي، كما في حالة الاعتقال الاحتياطي الخاطئ او التعسفي، يعتبر وسيلة فعالة لحماية ﺣﻖ اﻟﻔﺮد ﻓﻲاﻟﺤﺮﻳﺔ المقرر دستوريا، من خلال تمكين المتضرر من الحصول ﻋﻠﻰ ﺗﻌﻮﻳﺾ جابر للأضرار المادية والمعنوية اﻟﺘﻲ أﺻﺎﺑﺘﻪ ﻣﻦ ﺟﺮاء ذلك تتحمله الدولة، فإن ذلك مقرون في اطار دعوى المسؤولية عن نشاط مرفق القضاء بإثبات توفر شروط قيام هذه المسؤولية، في غياب تشريع خاص ينظم هذا التعويض على غرار المعمول به في فرنسا مثلا.

وحيث حدد قانون المسطرة الجنائية حالات الاعتقال الاحتياطي ونص عليه باعتباره تدبيرا استثنائيا تقتضيه مصلحة التحقيق، وخول للنيابة العامة في اطار سلطة الملاءمة بمناسبة تطبيق هذا الاجراء صلاحية تقدير الحاجة إليه بحسب ظروف وملابسات كل قضية، حماية للمتهم نفسه من خطر أي رد فعل عن الجريمة المرتكبة، على أن تراعي في كل ذلك، خطورة الفعل الجرمي المرتكب ودرجة تأثيره على الامن والسلم المجتمعي.

وحيث إن من شروط التعويض عن الاعتقال الاحتياطي كصورة من صور الخطأ القضائي أن يكون خاطئا أو تعسفيا ونتج عنه ضرر مادي أو معنوي.

وحيث إن اكتساب قرار الاعتقال الاحتياطي صبغة الخطأ أو التعسف المرتب للمساءلة القانونية، يتطلب إثبات براءة المعتقل احتياطيا من المنسوب إليه بمقتضى حكم قضائي بات، يثبت بصفة نهائية وقطعية براءة الشخص المتابع.

وحيث إنه بالرجوع إلى وقائع المتابعة موضوع الحكم القاضي بسقوط الدعوى العمومية لتقادمها، تبين أن متابعة النيابة العامة للمدعي باعتباره مرتكبا لجريمة نصب والتصرف في مال غير قابل للتفويت والاضرار بمن سبق له التعاقد معه، جاءت على اثر الشكاية المقدمة ضده من طرف الخلف العام للمشتري، الذي اشترى من المدعي قطعة ارضية تحمل رقم 26، وتبين من تصريحات هذا الاخير(أي المدعي) المضمنة بالحكم الابتدائي المستدل به، أنه يقر بكونه بعد وفاة المشتري وعدم حضور ورثته عمل على استغلال الارض موضوع النزاع، وأن الأرض التي باعها تحمل رقم 15 بسانية الجواهري وأن العقد الذي أبرمه مع الهالك، والمتضمن لرقم 26 كان في الأصل قبل تجهيز البقع الأرضية، وبعد التجهيز أصبحت البقعة موضوع النزاع تحمل رقم 15، بينما تشبث المشتكون بكون القطعة التي اشتراها مورثهم تحمل رقم 26 وتم تفويتها للغير.

وحيث إن صدور حكم بسقوط الدعوى العمومية لتقادمها لا ينفي الصبغة الجرمية عن الفعل المرتكب سبب الاعتقال ولا يفيد البراءة منه، ولا يعني بالضرورة أن قرار الاعتقال الاحتياطي كان خاطئا، لكون قضاة محكمة الموضوع هم الجهة المختصة أساسا للبحث في مدى صحة الدفع بالتقادم المثار من طرف الشخص المتابع، وليس قضاة النيابة العامة الذين يتمتعون بسلطة الملاءمة إزاء الدعوى العمومية، اعتبارا لظروف كل قضية وملابساتها، مع حقهم في تقدير خطورة الفعل الجرمي وردود الفعل المحتملة بشأنه سواء من طرف الضحايا أو ذويهم أو المجتمع، فلا يعدو أن يكون قرار الاعتقال الاحتياطي في ضوء ما ذكر إلا استعمالا للسلطات المقررة قانونا.

وحيث إن الحسم في تحقق واقعة التقادم في ظل وجود متابعة بجريمة النصب وعدم تنفيذ عقد، لا يكون إلا بمقتضى حكم قضائي يفصل في مسألة التقادم وعدم وجود ما يقطعه، والذي يستقل قضاة الحكم بتقديره، في ضوء المعطيات التي يتم عرضها خلال مناقشة القضية، وبالتالي لا يمكن تحميل المسؤولية في هذه الحالة للنيابة العامة لعدم ثبوت أي تقصير من جانبها في تطبيق القانون، مما ينعدم معه ركن الخطأ اللازم لانعقاد المسؤولية، ويكون مآل الطلب هو الرفض”.

ونقترح ان يحذو المشرع المغربي حذو نظيره الفرنسي من خلال اصدار نص خاص ينظم مسؤولية الدولة المباشرة عن الاعتقال الاحتياطي الخاطئ، وشروط استحقاق التعويض المادي عنه، واحداث صندوق خاص لصرف هذه التعويضات لمستحقيها، يكفيهم عناء التقاضي وأداء  الرسوم القضائية وأتعاب المحامي وانتظار نهائية الحكم ودرجات التقاضي.

رابعا- مسؤولية الدولة عن أخطاء القاضي:

يعتبر خطأ القاضي أكثر صور الاخطاء القضائية اثارة للجدل بالنظر لخصوصية المهمة المنوطة به ألا وهي تطبيق القانون، وهو تطبيق قد يتجاوز حدود النص القانوني تأويلا وتفسيرا واجتهادا، كما انه قد يلجأ فيه الى استعمال السلطة التقديرية الممنوحة له قانونا، الشيء الذي يعرض القاضي للنقد، من طرف كل من لم يرقه الحكم الصادر عنه، ويزيد من حالة الاستياء التشكيك الدائم والممنهج من طرف بعض وسائل الاعلام في مصداقية القضاء بسبب حالات فردية بالرشوة والفساد فتتأثرا سلبا صورة القضاء الوطني لدى المتقاضين وتهتز ثقتهم به.

إن الدستور الجديد اعتبر في الفصل 109 منه أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد يعد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة، وهو توجه يحتم على المشرع المغربي استلهام روح الدستور وتنزيل هذه المقتضيات بالشكل الصحيح الذي يحقق خضوع الجميع للمساءلة والمحاسبة دون أي استثناء.

وتكون مسؤولية الدولة عن الخطأ المنسوب للقاضي في غالب الاحوال مسؤولية غير مباشرة في حال ثبوت المسؤولية المدنية الشخصية للقاضي اثر دعوى المخاصمة المقامة في مواجهته. فكما هو معلوم  نظم المشرع المغربي مسؤولية القاضي المدنية عن الإخلال بمقتضيات منصبه في الفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود حيث نص على ما يلي:

” القاضي الذي يخل بمقتضيات منصبه يسأل مدنيا عن هذا الإخلال في مواجهة الشخص المضرور في الحالات التي تجوز فيها مخاصمته”.

وبذلك يكون المشرع قد أقر مبدأ المسؤولية المدنية الشخصية للقاضي عن الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها أثناء قيامه بأداء مهام وظيفته غير أنه قصرها على الحالات التي يكون فيها محل لمخاصمته، وهي الحالات التي تعرض لها الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية.

وتخضع مسؤولية القاضي عند ثبوت حالات المخاصمة لقواعد اختصاص استثنائية، فقد منح المشرع المغربي اختصاص البت في دعوى المخاصمة للمجلس الأعلى سابقا محكمة النقض وفق التسمية الجديدة حيث نص في الفصل 395 منه على ما يلي:

” ترفع مخاصمة القضاة إلى المجلس الأعلى.

يتم ذلك بمقال موقع من الطرف أو وكيل يعينه بوكالة رسمية ترفق بالمقال مع المستندات عند الاقتضاء وذلك تحت طائلة البطلان”.

فالمشرع منح للمجلس الأعلى سابقا محكمة النقض حاليا، وحده اختصاص النظر في دعوى مخاصمة القضاة والمحاكم بغض النظر عن رتبة القاضي أو درجته في السلم الإداري أو المحكمة المنازع فيها، بحيث يستوي في ذلك أن يكون القاضي المخاصم يعمل بالمحكمة الابتدائية أو رئيس المحكمة أو أعضاء النيابة العامة بها أو أن يكون مستشارا بمحكمة الاستئناف أو رئيسها الأول أو الوكيل العام للملك ونوابه بها، أو سائر القضاة والمستشارين بالمحاكم المتخصصة والمستشارين بمحكمة النقض فالجميع سيان في عرض مسؤوليتهم أمام محكمة النقض.

وقد أكدت المحكمة الإدارية بالرباط هذا الاتجاه في حكمها[9] بتاريخ 07/01/1999 وقضت بعدم اختصاصها النوعي للبت في الطلب الرامي إلى التصريح بأحقية المدعي في التعويض عن الضرر الحاصل له من جراء سوء تطبيق السيد رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط للقانون، وذلك بعدم تصديه لجميع الطلبات الكيدية والتعسفية المقدمة من طرف الخصم موضوع الملف التنفيذي وامتناعه بصفته قاضيا للمستعجلات عن تطبيق مقتضيات الفصل 151 من قانون المسطرة المدنية، معتبرة أن هذه الحالة تدخل ضمن الحالات المنصوص عليها في الفصل 391 من ق م م. وقد جاء في حيثياتها مايلي:

“وحيث إن الاختصاص للبت في مخاصمة القضاة يعود للمجلس الأعلى طبقا للفصل 353 من ق م م وليس للمحاكم الإدارية ما دام القانون رقم 90/41 المحدث لها لا ينص على ذلك.

وحيث إن هذا الدفع يكون في محله مما يتعين معه الاستجابة له والتصريح تبعا لذلك بعدم الاختصاص النوعي لهذه المحكمة”.

وتخضع مسؤولية الدولة عن السير المعيب لمرافقها لمقتضيات الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، وهي اما مسؤولية قائمة على الخطأ او على اساس المخاطر.

ولاشك ان القول بمسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي باعتباره خطأ مرفقيا سيثير جدلا كبيرا بالنظر لخصوصية مرفق القضاء وطبيعة عمل القاضي المتميزة أساسا بالاستقلالية عن أي سلطة رئاسية، على اعتبار ان جوهر القضاء هو استقلالية القاضي وتجرده وعدم تبعيته للسلطة الرئاسية او خضوعه للتعليمات، فهو لايخضع سوى لمقتضيات القانون وما يمليه عليه ضميره الحي واليقظ في اطار التطبيق العادل لنصوص القانون، وهي الصفة التي تميزه عن باقي موظفي الدولة الذين يخضعون للسلطة الرئاسية ويقع عليهم واجب طاعة الرؤساء.

وقد أقرت مختلف القوانين درجات للتقاضي من اجل تدارك ما قد يحدث من سوء تطبيق للنصوص القانونية من خلال تخويل المتقاضين إمكانية المطالبة بتصحيح الأحكام الصادرة في مواجهتهم عبر طرق الطعن العادية وغير العادية.

وتأكيدا لهذا الاتجاه نورد قرارا للمجلس الأعلى بغرفتين تحت رقم 248 بتاريخ 29/07/1991 جاء فيه: “حيث إن قاضي الحكم لا يتحمل أية مسؤولية عن الأحكام التي يصدرها ولو ارتكب خطأ في تأويل وتطبيق القانون أو تحريف، وذلك لكون الأطراف في استطاعتهم دائما اللجوء إلى طرق الطعن العادية وغير العادية للحصول على تعديل أو إلغاء الحكم ونظرا لحجية الشيء المقضي به التي تتعلق بالحكم والتي تقوم على قرينة أن الحكم مطابق للحقيقة..”[10].

ونرى انه ما دام أن المشرع المغربي لم يدرج الخطأ المهني الجسيم ضمن حالات المخاصمة فيبقى بالإمكان عند تحقق صور الخطأ المهني الجسيم وفق التحديد المشار اليه، تحميل المسؤولية للدولة باعتباره خطأ إداريا يرتبط بالسير المعيب لمرفق القضاء إن كان يخرج عن نطاق حالات المخاصمة، على أساس أنها مسؤولة عن سوء اختيار قضاتها وكذا عن عدم توفير ظروف العمل المواتية التي من شأنها الحد من حالات الأخطاء الناجمة عن كثرة القضايا وعدم توفير الموارد البشرية والمادية الكافية للبت في القضايا المتزايدة المعروضة على أنظار القضاة بمختلف المحاكم.

ومن جهة أخرى نص الدستور الجديد في الفصل 109 منه على أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد يعد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة، وهو توجه يحتم على المشرع المغربي استلهام روح الدستور وتنزيل هذه المقتضيات بالشكل الصحيح الذي يحقق خضوع الجميع للمساءلة والمحاسبة دون أي استثناء مع توفير كافة الضمانات القانونية لحماية استقلالية القاضي وتجرده.

كما يكون تجاوز الأجل المعقول للبت بعد أن تصبح القضية جاهزة للبت فيها، بمثابة الخطأ المرفقي الذي تسأل عنه الدولة تأسيسا على اخلالها بواجب تحقيق الأمن القضائي للأفراد، فإذا تعذر احترام اجل البت في غير حالات انكار العدالة فذلك دليل على السير المعيب لمرفق العدالة ينم على سوء التنظيم كقلة الموارد البشرية بالمحكمة الناتج عن سوء توزيع الموارد المتوفرة.

وختاما يمكن القول بأن الخطأ القضائي المقصود في النص الدستوري يشمل كل الصور المرتبطة بسوء سير مرفق القضاء على اعتبار ان العملية القضائية هي عملية مركبة وتتداخل فيها عدة أجهزة تساهم كل منها في جودة الحكم القضائي وقانونيته وعدالته، خلافا للفهم الذي رسخ لدى البعض من خلال قصره على خطأ القاضي في تطبيق النص القانوني المجسد من خلال الحكم القضائي، في حماسة شديدة لا تبالي بعواقب التوسع غير المبرر في نسبة المسؤولية للدولة عن أخطاء القاضي، التي يبقى الأصل فيها هو مسؤوليته المدنية الشخصية، حماية للأمن القانوني والقضائي، إذ لا ينبغي ان تخضع مسألة هامة كهذه لأي شكل من إشكال المزايدات أو التنازلات إرضاء لجهات قد يكون سندها حقوقي بامتياز لكنها تغفل عن آثار وعواقب مثل هذه التوجهات التي تؤثر في النهاية على مصداقية الجهاز القضائي وتمس باستقلاليته، مما يستوجب من القضاء التحلي بروح المسؤولية وهو بصدد تنزيل أحكام الدستور على القضايا المعروضة عليه، ومن المشرع الإسراع ببلورة المبادئ الدستورية في شكل نصوص قانونية تواكب التطورات التشريعية الحقوقية الدولية.

[1]يلاحظ بخصوص صياغة المادة 122 من الدستور أنها نصت في صيغتها العربية على الخطأ القضائي بينما ورد بالصيغة الفرنسية مفهوم آخر هو الغلط القضائي، وهما مفهومان مختلفان من حيث الأثر القانوني لكل منهما.

[2]ذهبت المحكمة الادارية بالرباط في احد احكامها الى القول بعدم انعقاد الاختصاص النوعي للمحكمة للبت في دعوى المسؤولية عن نشاط المرفق القضائي باعتباره ليس مرفقا عاما، وهو توجه يقر في الحقيقية بخصوصية المرفق القضائي وطبيعة اعماله التي تأبى الخضوع لنفس مبادئ المسؤولية المقررة للمرافق الإدارية العامة، وهي الخصوصية التي لا تمنع في نظرنا القضاء الاداري من ممارسة اختصاصاته في اطار الحفاظ على الاسس العامة للمسؤولية الادارية مع مراعاة خصوصية مرفق القضاء من زاوية خصوصية عمل القاضي وطبيعته المستقلة التي لا تخضع لسلطة رئاسية في مجال عمله القضائي المتمثل في اصدار الاحكام وتطبيق القانون.

[3]وهو نفس الاتجاه الذي أقرته احكام إدارية اخرى منها ما صدر عن المحكمة الادارية بالرباط ومنها ما صدر عن المحكمة الادارية بفاس والدار البيضاء.

[4] قرار منشور بمجلة المحاكم المغربية، العدد 111 نونبر – دجنبر 2007.

[5]قرار غير منشور وأشار له علي العلوي الحسني في تعليقه على مسألة الاختصاص النوعي المتعلق بالبت في تعويض ضحية الخطأ القضائي. مجلة المحاكم المغربية، العدد 115 يوليوز – غشت 2008 ص 72.

[6] حكم بتاريخ 16/10/1997 ملف عدد17/97 ش حكم رقم 64/97 – غير منشور.

[7] قرار منشور بالدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الادارية- أحمد بوعشيق- الجزء الأول ص 76.

[8]قرار عدد 354 بتاريخ 14/12/1995، منشور بمجلة قرارات المجلس الأعلى، منشورات المجلس الأعلى في ذكراه الأربعين، ص 397.

[9] منشور بالدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الادارية –م م د م ت –سلسلة دلائل التسيير عدد 16 ج 1 – 2004- ص 348.

[10] مجلة الإشعاع عدد7 يونيو 1992 صفحة 91.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقعنا الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر، وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: اننا نشجّع قرّاءنا على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا نسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا نسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا نسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية.


أخبار وطنية

وقفة تضامنية مع ضحايا الهجوم الإرهابي على برشلونة و تاراغونا
21 أغسطس 2017 / قراءة

وقفة تضامنية مع ضحايا الهجوم الإرهابي على برشلونة و تاراغونا

صفرو سوريز ، عبد العزيز البوهالي مراسلة من بلاد الأندلس إسبانيا. على إثر الهجوم الإرهابي المزدوج الذي تعرضت له ساحة “لاس رامبلاس الشهيرة” بمدينة برشلونة والمعبر البحري ببلدة كامبريلس بمنطقة تاراغونا الإسبانية يوم الخميس 17 غشت 2017 ، والذي خلف ضحايا من مختلف…
+ المزيد من أخبار وطنية ...