اليوم الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 - 3:32 مساءً
أخر تحديث : السبت 15 أكتوبر 2016 - 2:27 مساءً

”عمو” بنكيران يعود إليكم من جديد… وماذا بعد؟

صفروسوريز: إدريس شحتان

مباشرة بعد وضع حرب الانتخابات أوزارها، عقد بنكيران لسانه السيَّال، وبدا متزنا أكثر من أي وقت مضى.. فالنتائج التي كان ينتظرها من انتخابات 7 أكتوبر بوأت حزبه مرة أخرى صدارة المشهد السياسي.. وبالتالي، أحجم عن الكلام، وترك المتتبعين في كل واد يهيمون.. إذ ما الحاجة إلى الحديث في هذا الظرف العصيب، وهو ينتظر كما عموم الناس على أي حال سيستقر اختيار الملك لربان الحكومة الجديدة. إن عدم ضبط اللسان في مثل هذه المواقف قد يفتح باب التأويل على مصراعيه.. لقد كان هذا أول درس تعلمه بنكيران من تجربته الحكومية الأولى.

لكن هذا العصف الذهني العسير لم يدم طويلا داخل رأس بنكيران، بعد أن جاءته الأخبار السارة من القصر، فحلق سريعا إلى الدار البيضاء… وهكذا بدا الأمين العام لحزب العدالة والتنمية داخل جو من البروتوكول والطقوس المخزنية، حاضرا بين يدي الملك محمد السادس، الذي عينه للمرة الثانية على التوالي رئيسا للحكومة، مع تكليفه بتشكيل حكومته الجديدة.

قد يبدو بنكيران محظوظا عند البعض، فهو الآن يشكل استثناء ضمن تشكيلة “ربابنة الحكومات المغربية” التي تعاقبت على الحكم إلى جانب الملك.. لكن، بعيدا عن الحظ، ثمة إرادة ملكية راسخة، منطلقها دستوري محض، وجوهرها تفاعلي مع نبض الشارع.

إن الفصل 47 من الدستور الجديد واضح للغاية، وهو غير ملزم بتعيين الأمين العام للحزب الفائز في الانتخابات رئيسا للحكومة، وإنما تعيينه من الحزب الفائز فقط. لكن، ثمة بُعد آخر، هو المنهجية الديمقراطية التي طبَّع معها الملك محمد السادس سنة 2007 عندما عين الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، عباس الفاسي وزيرا أول، ليواصل نفس النهج مع الأمين العام للبيجيدي عبد الإله بنكيران سنة 2011، ثم سنة 2016. حتى صار هذا المنطق “عرفا دستوريا”، يتماهى مع إرادة الناخبين.
اليوم، يُبرِز الملك محمد السادس، من خلال هذا التعيين مدى حرصه الشديد على التعامل بروح الدستور، أو لنقل إن اختياره لبنكيران رئيسا للحكومة الجديدة، مع وجود هامش واسع من الاختيارات داخل البيجيدي، تم من خلال تأويله الإيجابي للفصل 47.. حيث قطع كل التكهنات، ووضع حدا للاحتمالات التي كانت تتناسل داخل الصالونات السياسية، ليستجيب لإرادة الناخبين. يقينا منه، كما قال ذات خطاب إن “المواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليس الأحزاب والمرشحين، وهو مصدر السلطة التي يفوضها لهم”.
إن إعادة الثقة في بنكيران كرئيس حكومة لولاية ثانية، يعد من المنظور السياسي، فرصة أخرى للإصلاح، لكنها محكومة بشرط دستوري يربط المسؤولية بالمحاسبة، ما سيجعل الرهان صعبا على بنكيران في ظل المتغيرات الدولية التي ما تزال أسيرة لأسعار براميل النفط. لكن مهما كان الحال، فإن هذا التعيين يعتبر تأكيدا ملكيا على أن المسار الإصلاحي للبلاد والاختيار الديمقراطي أيضا، ليس شعارا عند الملك، وإنما هو مبدأ وإستراتيجية وهدف. وبالتالي، أظهر الملك، أنه منذ تَسَلم مفاتيح الحكم من والده الملك الراحل الحسن الثاني، ظل يمثل نموذجا لرئيس الدولة المنفتح، وأنه قبل كل شيء، الضامن لاستمرارية ميزة الاستثناء الجميل للمملكة ضمن محيطها الإقليمي المضطرب.. وهذا في نظري، سيفتح أبوابا أخرى للمغرب حتى يعزز تمركزه في المنتظم الدولي، كبلد عربي يحتذى به في المسار الديمقراطي، كما سيشجع المستثمرين الأجانب الذين يبحثون عن مناخ للأعمال في ظل الاستقرار السياسي على الانفتاح أكثر على المملكة.

إن الطريقة التي دبرنا بها العملية الانتخابية الأخيرة، وما رافقها من إشادة وإعجاب صادرين عن كبريات الديمقراطيات في العالم، إضافة إلى عملية اختيار الأمين العام للحزب الفائز رئيسا للحكومة، جعل المغرب يحظى بسمعة طيبة واحترام دولي منقطع النظير. وبالتالي، فإن المغرب هو الفائز الأكبر في هذه المحطة التي كرس من خلالها تفوقه في درس “الديمقراطية” الذي يخيف الأنظمة المجاورة له.. لكن ذلك كله، يتطلب تحصين هذه المكتسبات، ليس بالشعارات كما جرت على ذلك العادة، وإنما بتنزيل سليم للدستور، وهذه وفق فقهاء القانون الدستوري، مسؤولية رئيس الحكومة بالدرجة الأولى.. لذلك، لم يعد مقبولا أن “تعود حليمة إلى عادتها القديمة”، لاعتبار أساسي، هو أن لرئيس الحكومة صلاحيات فعلية، ينبغي أن تعطي ثمارها في “الموسم الحكومي” الجديد.

وهنا لابد من تسجيل ملاحظة أساسية، أن هذه هي التجربة الانتخابية الثانية من نوعها بعد دستور 2011، وقد أثبتت أن الملك ظل دائما على مسافة واحدة من جميع الأحزاب والقوى السياسية في البلاد، وأنه حكم أسمى وليس طرفا في اللعبة السياسية. وهنا ينبغي لبنكيران، أن يحرص على ضبط مصطلحاته أكثر من أي وقت مضى، وألا يعود إلى مضغ العبارات المستمدة روحها من القاموس الحيواني، وألا يفرط في استعمال مفهوم الملك، لأن محمد السادس في كثير من خطبه، خاصة في خطاب العرش 2016، أكد على أنه “ملك لجميع المغاربة مرشحين، وناخبين، وكذلك الذين لا يصوتون”. وبالتالي، يبدو من خلال الأرقام المحصل عليها في الانتخابات الأخيرة، أن ثمة فرصة ثمينة للأحزاب السياسية، بأن تلتفت للكتلة الصامتة التي أدمجها الملك في خطابه، حتى تمارس حقها الدستوري في اختيار الأنسب لتمثيلها في المؤسسة التشريعية، لأن موقفها من مقاطعة الانتخابات، هو موقف من طبيعة العمل السياسي و الحزبي، وطريقة تدبير الشأن الانتخابي من قبل الفاعلين السياسيين والحزبيين.

الآن، هناك فرصة تاريخية أمام عبد الإله بنكيران كي يظهر كثيرا من النضج في طريقة اشتغاله كرئيس للحكومة الجديدة، ذلك أن هذا النضج في اعتقادي الشخصي، سينعكس إيجابا على الفعل السياسي في البلاد. والأكثر من ذلك، ينبغي أن يتجاوز في خطاباته الإشارة إلى ما يسمى بـ”عدم الثقة” لأن ذلك أصبحا متجاوزا الآن. والأكثر من ذلك، أن ينأى بنفسه عن التصريحات النارية والاستفزازية أحيانا، مادام المغرب قد كرس من خلال تعيينه من جديد المفهوم الديمقراطي للدستور. لذلك، يجب على رئيس الحكومة أن يكون في مستوى التحديات المطروحة على الفاعل السياسي، وأن يساير منطق الإصلاح الذي دشنه الملك منذ جلوسه على العرش، وأن يسير بنفس السرعة التي يتطلبها نجاح الأوراش الكبرى التي يتم إطلاقها بين حين وآخر، والتركيز أكثر على جلب الاستثمارات. وفوق ذلك، أن ينعكس هذا النجاح السياسي الذي حققه المغرب إيجابا على المستوى الاجتماعي… هذه هي الرهانات المطروحة على بنكيران الآن، عدا ذلك، ستكون هذه التجربة كمثيلتها السابقة، آنذاك سنسمع من يقول: “الخيط هو للي تبدَّل أما لبْرا باقة هيَّ هيَّ” آش بان ليك أعمو بن كيران؟

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقعنا الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر، وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: اننا نشجّع قرّاءنا على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا نسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا نسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا نسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية.


أخبار وطنية

التحالف الرباعي الجديد يرد “البيان التضليلي لرئيس الجماعة الترابية بصفرو/نص البلاغ
9 أكتوبر 2019 / قراءة

التحالف الرباعي الجديد يرد “البيان التضليلي لرئيس الجماعة الترابية بصفرو/نص البلاغ

صفروسوريز: توصل موقع صفروسوريز ببيان موقع من طرف مكونات التحالف الجديد للجماعة الحضرية بصفرو والمكون من حزب الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية، الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي، ننشره كما توصلنا به:
+ المزيد من أخبار وطنية ...