اليوم الأربعاء 23 أغسطس 2017 - 2:53 مساءً
أخر تحديث : الأحد 21 ديسمبر 2014 - 12:26 مساءً

الخطاب الديني ومناهضة كونية حقوق الإنسان

كلما حل موعد حقوقي أو انعقد مؤتمر دولي حول حقوق الإنسان إلا ووجد المسلمون أنفسهم ممزقين بين الخصوصية والكونية ، بين الخطاب الديني وبين المواثيق الدولية . وضعية شاذة تحرض جيوب المحافظين ودعاة الخصوصية على شحذ كل الذرائع والحيل لتأبيدها ولإخضاع الكوني للخصوصي ، بل وجعل الخصوصي هو الكوني والقاعدة التي تحكم التشريعات والمواثيق الدولية ، فيما الكوني يصير هو الاستثناء . سلوك تُزايد فيه الأنظمة السياسية على التيار الديني بمختلف أطيافه من خلال التنصيص دستوريا على سمو التشريعات الإسلامية على المواثيق الدولية . فالإسلام ليس هو التشريعات الإسلامية ، هو أوسع وأرحب ، لكن الفقهاء اجتهدوا خلاف ذلك . من هنا كان الإصرار عن سبق الترصد على مواصلة العمل بالتشريعات التي تخرق حقوق الإنسان ، بل ودسترة هذا الخرق . فلا حقوق إلا ما يتوافق مع التشريعات الإسلامية ، ولا تشريعات إسلامية إلا ما يتوافق مع الفقه الإسلامي . بهذا يصبح الفقه هو الإسلام ، والفقهاء هو المشرعون . الأمر الذي يسقط صفة المدنية عن الدول الإسلامية ويجعلها ، بالنتيجة دولا دينية . ذلك أن الدولة الدينية ليست فقط تلك التي يحكمها الخليفة علان أو المُلاّ فلان ، بل هي كل دولة تخضع تشريعاتها الوطنية للتشريعات الدينية التي لم تنفتح على الكوني ، بل تناقضه وتناهضه . ومن أبرز المفارقات التي تمزق وجدان المسلم وتشعره بأنه لم يبْلغ بعدُ درجة الكونية :

1 ــ تضمين الخطاب الديني مفاهيم سرعان ما يكتشف المواطن أنها جوفاء ، من مثل : حرية الاعتقاد ، المساواة بين البشر .. فكل مشارب الخطاب الديني الإسلامي تقر بحرية الاعتقاد وتفاخر بها انسجاما مع الآية القرآنية “لا إكراه في الدين” “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر “. لكن الشروط والتفاصيل التي تشرط هذه الحرية وتقيدها هي ما يهم المواطنين وهي مقياس درجة النضج الكوني للخطاب الديني . وكل التبريرات والذرائع والتأويلات التي يقدمها سدنة الخطاب الديني ومُنتجوه ومروجوه من كل الأطياف ، معتدليها ومتطرفيها ، تلتقي عند مصادرة هذا الحق بالنسبة للمسلمين بالولادة وبالوراثة وبالاعتقاد ، وبإلزام الكتابيين إما بدفع الجزية أو اعتناق الإسلام وهجر دينهم الأصلي ؛ أما غيرهم من بقية الملل فلا خيار بين الإسلام أو القتل . وممارسات “داعش” هي تحيين لهذه التشريعات التي اضطرت الدول الإسلامية إلى تعطيلها بفعل الإكراهات الدولية . بينما الفقه الإسلامي زاخر بها ومحرض عليها . ولعل خطب الجمعة وفتاوى المراجع الدينية والفقهية في كل الدول العربية والإسلامية أوضح تعبير عن تلك التشريعات وأخطر محرض على تطبيقها .ولا يختلف الفقه الإسلامي المعاصر عن الفقه الإسلامي السابق .

2 ـ مصادقة الدول الإسلامية على المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ومصادرة حق ممارستها على المواطنين . وتزيد من حدة المفارقة سلسلة المحاكمات التي طالت عددا من المواطنين بتهمة “زعزعة عقيد مسلم” ، وكذا الأحكام التي صدرت ضد مفكرين تقضي بتكفيرهم وتطليق زوجاتهم منهم (نموذج حامد أبو زيد ) أو منع أعمال فكرية أو إنتاجات أدبية وفنية . وقد تعالت أصوات الأئمة وخطباء الجمعة كما طفحت فتاوى التكفير في حق شرائح اجتماعية وأحزاب سياسية ومناضلين ومفكرين والتحريض على قتلهم بتهمة الردة دون أن تتدخل الدول ومحاكمها في مقاضاة مصادر الفتوى ومروجيها ، وإن حدث وحوكم أحدهم فيظل الحكم رمزيا (الحكم بشهر موقوف التنفيذ في حالة أبو النعيم ).

3 ــ القبول بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان وفي نفس الوقت تقديم مواثيق بديلة من مثل الميثاق العربي لحقوق الإنسان والميثاق الإسلامي لحقوق الإنسان . وتقديم مواثيق بديلة ليس له من معنى سوى الإقرار الرسمي ، عربيا وإسلاميا ، أن العرق والدين محددان رئيسيان لحقوق الإنسان ، فيما الميثاق العالمي يلغيهما انسجاما مع كونية الإنسان. كما أن هذه المواثيق البديلة تزيد من حدة الشعور بالتمزق لما يجد المواطن العربي نفسه مجبرا على تحديد هويته انطلاقا من انتمائه العرقي وليس الكوني . هنا الخصوصية تلغي الكونية . بل يكون التمزق أخطر لما نضع المواطن بين ثلاثة مواثيق ونلزمه باختيار أحدها ليس عن اقتناع فكري ولكن عن انتماء عرقي أو عقدي . فما معنى ميثاق عربي لحقوق الإنسان وميثاق إسلامي لحقوق الإنسان ؟ وأيهما أنضج وأكمل وأرقى وأصلح لهذا المواطن الذي تأسره الحدود الجغرافية أو العقيدة الدينية ؟

لقد حان الوقت لكي تحسب الدول العربية والإسلامية موقفها من منظومة حقوق الإنسان في بُعدها الكوني وتنخرط في تجديد الخطاب الديني بما يتماشى مع القيم السامية التي ينص عليها الدين الإسلامي تكريما لبني آدم أيا كان العرق والمعتقد واللون . فغير مقبول على الإطلاق الاستمرار في اجترار الفتاوى التي تشرعن وضعية أهل الذمة ودفع الجزية وقتل المرتد ورجم الزاني وقطع يد السارق ،كما لو أن المسلمين لم يخرجوا بعد من عصر أبي لهب أو زمن عبد الله بن سبأ .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقعنا الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر، وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: اننا نشجّع قرّاءنا على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا نسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا نسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا نسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية.


أخبار وطنية

وقفة تضامنية مع ضحايا الهجوم الإرهابي على برشلونة و تاراغونا
21 أغسطس 2017 / قراءة

وقفة تضامنية مع ضحايا الهجوم الإرهابي على برشلونة و تاراغونا

صفرو سوريز ، عبد العزيز البوهالي مراسلة من بلاد الأندلس إسبانيا. على إثر الهجوم الإرهابي المزدوج الذي تعرضت له ساحة “لاس رامبلاس الشهيرة” بمدينة برشلونة والمعبر البحري ببلدة كامبريلس بمنطقة تاراغونا الإسبانية يوم الخميس 17 غشت 2017 ، والذي خلف ضحايا من مختلف…
+ المزيد من أخبار وطنية ...