اليوم السبت 18 نوفمبر 2017 - 4:00 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 14 أغسطس 2015 - 7:26 مساءً

دور القاضي الإداري في مشروعيـة الانتخابات: المنـاورات الـتدليسيـة – نمـوذجا –الجزء الاول

صفروسوريز: حسني عبادي

دور القاضي الإداري في مشروعيـة الانتخابات: المنـاورات الـتدليسيـة – نمـوذجا –

* المقدمة:

تشكل الانتخابات الآلية الأمثل للممارسة الديمقراطية، باعتبارها إقرارا لإرادة الهيئة الناخبة، وذلك من خلال تفعيل الضمانات القانونية التي من شأنها صياغة إطار قادر على دفع الفاعلين داخل المعترك الانتخابي للمساهمة في جهود تخليقها.

ووعيا بأهمية هذه الآلية، ونجاعتها داخل النسق السياسي والاجتماعي، تحرص معظم التشريعات والقوانين على إحاطة الممارسة الانتخابية بسياج من الضوابط القانونية، بدءا من التقطيع الانتخابي، والتسجيل في اللوائح، ومرورا بالحملة، إلى التصويت وإعلان عن النتائج، وذلك ضمانا لإقرار مؤسسات تمثيلية منتخبة تعكس بحق الإرادة الحقيقية للهيئة الناخبة.

غير أن هذه لآلية تفقد قيمتها، وجدواها إذا كانت غير صحيحة، غير معبرة عن إرادة الناخبين من حيث نتائجها، وحرصا من المشرع المغربي على صحة المسلسل الانتخابي، فإنه أقر الضمانات والآليات تهدف إلى استبعاد أوجه الغش واحتمالات الخطأ التي من الممكن أن تمس مصداقية الاستشارات الشعبية[1].

لكن مهما بلغ الحرص على إجراء انتخابات حرة ونزيهة في إطار القواعد والضوابط القانونية المرسومة، فقد أبانت التجارب في كل الأنظمة الديمقراطية على أن العمليات الانتخابية، تفرز دائما دعاوى وطعون أمام القضاء، كما أن غياب روح المنافسة الانتخابية النزيهة لدى البعض، وعدم الالتزام بالضوابط الأخلاقية التي تحكم هذه العملية، قد يؤدي إلى الانحراف بهذه الممارسة من الوجهة السليمة.

ومن الأكيد أن تخليق المسلسل الانتخابي من كل الشوائب، يقتضي كما قال جلالة الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الخامسة في يوم 5 أكتوبر 2001 ” أن نجعل من نزاهة الانتخابات، المدخل الأساسي لمصداقية المؤسسة التشريعية، وأن تتحمل السلطات العمومية، والأحزاب السياسية مسؤوليتها كاملة في توفير الضمانات القانونية والقضائية والإدارية لنزاهة الاقتراع، لتخليق المسلسل الانتخابي[2].

ونظرا لتعدد العمليات الانتخابية، وتنوعها واختلاف الهيئات والأجهزة التي تنبثق عنها، فإن موضوع هذا البحث، سيقتصر على انتخابات الجماعية، ومدى فعالية القضاء الإداري في إنجاحها وتخليقها.

من هذا المنطلق يضطلع القضاء الإداري بوصفة خاصة تجاه هذه الانتخابات، قوامها ضمان الفعالية القانونية للقاعدة الانتخابية من خلال بسط رقابة على مختلف مراحل  وعمليات الانتخابات الجماعية، وفي خضم اضطلاعه بهذا الدور الرقابي، تشكلت لديه مجموعة من القواعد القضائية التي أسهمت ليس فقط في تسوية النزاعات الناشئة عن العملية الانتخابية، بل برزت كإطار مرجعي لتصفية النزاعات الانتخابية إلى قد تنشأ لاحقا.

وقد اسند المشرع اختصاص النظر في المنازعات الانتخابية إلى المحاكم الإدارية، وموازاة مع ذلك تستأنف أحكام هذه الأخيرة أمام المحاكم الاستئناف الإدارية، لكن يبقى التساؤل مطروحا حول تلك الانتخابات التي لم يحدد المشرع اختصاص المحاكم فيها،.

أجابت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قضية إيقاف تنفيذ القرار الصادر عن رئيس جامعة محمد الخامس، الرباط بأنه ” على خلاف ما يدفع به المستأنف، فإن التعداد الوارد بالمادة 26…جاء على سبيل المثال لا الحصر، ويفسح المجال للطعون الانتخابية أخرى غير منصوص عليها في المادة المذكورة، ومنها الطعون المتعلقة بانتخاب ممثلي الكليات والجامعات، ليشملها اختصاص المحاكم الإدارية، باعتبارها صاحبة الولاية العامة في البت في المنازعات الانتخابية التي لم يرد فيها نص صريح يمنح الاختصاص بشأنها أو جهة قضائية أخرى، لذا يكون الدفع المثار مختل الأساس ويتعين رده،[3]  وقضت بعد ذلك بتأييد الحكم المستأنف.

وبهذا القرار تكون الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى قد حسمت إشكالية المادة 26 من قانون رقم 90-41[4]، ذلك أن المحاكم الإدارية لها الولاية العامة، إلا ما استثني منها بنص صريح.[5]

وفي هذا الإطار، تشكل الطعون الانتخابية، كذلك وسيلة لضمان نزاهة الانتخابات، وصيانتها من الفساد، وذلك للدور المنوط بالقضاء في حفاظها، للحفاظ على نزاهتها، ومصداقيتها، حيث يلعب القضاء الإداري دورا أساسيا في مراقبة الانتخابات الجماعية ويعتبر الضمانة لنجاحها، وعدم انحرافها عن الإطار القانوني المحدد، إذا ما رأى فيها ما يمس بخرق النصوص القانونية المنظمة للانتخابات، أو قواعد العدالة أو مبادئ النظام العام، حيث تعتبر الطعون الانتخابية، الطريقة الناجعة لحماية وصيانة الاستحقاقات الانتخابية من الفساد.

وعموما  تقتضي نزاهة الانتخابات أن يكون نظام الاقتراع عاما، حرا، سريا وبالمساواة، فأن يكون عاما يقتضي أن يشارك فيه جميع أفراد المجتمع دون وضع عراقيل خاصة على أهلية الاقتراع، وأن يكون حرا بمعنى ألا يشوب إرادة الناخبين أي تدليس أو ضغط أو إكراه أو عنف، وأن يكون بالمساواة بمعنى ألا يتمتع الناخب الواحد إلا بصوت واحد، وفي سن وزمان ومكان محددين، ثم أن يكون مباشرا، يقتضي ذلك أن يتم الانتخاب مباشرة بواسطة الناخبين، وأن يكون سريا، أي ألا تكون الأصوات معروفة من طرف السلطات أو المرشحين

  • أهمية الموضوع :

إدا كانت نزاهة الانتخابات تعطي مصداقية للحياة السياسية، وعنوان لديمقراطية النظام السياسي، فإنها تبقى مهددة، ذلك أن التنافس الانتخابي ليس دائما نبيلا، إذ أصبح  التلاعب، والتدليس والفساد خبرة وثقافة عند بعض المرشحين، كما أنه لم تخلو أي انتخابات في المغرب من شهادات، بانتشار الفساد والتلاعب والتشكيك في نزاهة العملية الانتخابية، مما يلقي على الجهاز القضائي مسؤولية جسيمة في التصدي لكل ما يمكن أن يشوب العملية الانتخابية.

إن خطورة المناورات والتلاعبات، التي تجعلنا في وضعية قلق على مصير  الديمقراطية، هو ما دفع بالمشرع على جعل المناورات التدليسية موجبة للحكم ببطلان الانتخابات جزئيا أو كليا.

 

  • الإطار العام للموضوع :

إذا كان المشرع المغربي، حرصا منه على سلامة المسلسل الانتخابي، قد أقر ضمانات وآليات تهدف إلى استبعاد أوجه الغش والتدليس واحتمال الخطأ، التي من الممكن ان تمس مصداقية الاستشارات الشعبية من خلال مجموعة القوانين المتتالية، وهو ما سار عليه بمقتضى القانون رقم 97- 9  والمتعلق بمدونة الانتخابات، حيث نصت المادة 74 منه على أنه: لا يحكم ببطلان الانتخابات جزئيا أو مطلقا إلا في الحالات الأتية:

  1. إذا لم يجر الانتخاب وفق الإجراءات المقررة في القانون؛
  2. إذا لم يكن الاقتراع حرا أو شابته مناورات تدليسية؛
  3. إذا كان المنتخب أو المنتخبون من الأشخاص الذين لا يجوز لهم الترشح للانتخابات بمقتضى القانون أو بحكم قضائي.

وتجدر الإشارة أنني سوف أركز على الفقرة الثانية من المادة 74، فيما يتعلق بالمناورات التدليسية باعتبارها سببا لبطلان الانتخاب.

  • أسباب اختيار الموضوع:

انطلاقا مما سبق فقد ارتأيت مقاربة هذا الموضوع الذي يكتسي أهمية بالغة في الظرف الراهن، الذي اخترت له العنون التالي : “دور القاضي الإداري في مشروعية الانتخابات،  المناورات التدليسية نموذجا”.

ومما دفعني الى اختيار هذا الموضوع :

  1. الكل متفق على المكانة التي تحظى بها الظاهرة الانتخابية في النظام السياسي والدستوري، سواء في الدول المتقدمة أو النامية، فالانتخابات تعد المدخل الأساسي للديموقراطية، وعلى ضوء نتائجها يتحدد مصير الأمة بأسرها، وخصوما أننا نعيش فترة انتقالية، تكريسا لما جاء في الدستور المغربي الجديد ل 1 يوليوز 2011.
  2. أنني كنت من ملاحظي الانتخابات التابع للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سابقا، أو النسيج الجمعوي لرصد الانتخابات، وما لاحظته  من انتهاك صارخ لمبدأ النزاهة  الشفافية في مجال الانتخابات التشريعية أو الجماعية في مدينة صفرو.
  • تحديد الإشكالية:

يهدف هذا البحث إلى محاولة الإجابة عن إشكالية تتعلق بمدى نجاعة وفعالية الرقابة القضائية التي يمارسها القضاء الإداري الذي يفترض فيه أن يلعب دورا مهما في تكريس الرقابة القضائية على مشروعية وسلامة الانتخابات.

من هذا المنطلق إلى أي حد ساهم القاضي الإداري في تكريس المشروعية في محاربة جميع أنواع المناورات التدليسية التي قد تشوب العملية الانتخابية؟

وهل تمكن القاضي الإداري من ضبط الممارسة السليمة لمختلف حلقات المسلسل الانتخابي؟

  • مقاربات التحليل :

يقصد بالمنهج، مجموعة من القواعد التي ينبغي أن يتقيد بها الباحث لوصول النتيجة، وذلك بأنجع الطرق وأكثرها دقة، لذا كان من اللازم اعتماد المنهج الوظيفي الذي يقتضي دراسة الاجتهادات القضائية الصادرة عن مختلف درجة القضاء الإداري المغربي، وذلك من اجل معرفة دورها، ووظيفتها في تحقيق نزاهة الانتخابات الجماعية، وكذا الخروج باستنتاجات وخلاصات حول مدى فعالية الرقابة القضائية التي يمارسها القاضي الإداري في تكريس مشروعية هذه الانتخابات.

  • خطة البحث:

إن دراسة هذا الموضوع يستلزم تقسيما ثنائيا، حيث سنتناول في الفصل الأول، مشروعية المسلسل الانتخابي من القيد في اللوائح إلى الإعلان عن النتائج، بينما في الفصل الثاني، سنتطرق إلى دور القاضي الإداري في مجال تحصين الممارسة الانتخابية من التلاعب والتدليس والتزوير.

 


 

1 راجع زهير جمال الدين، وبوجمعة بوعزوي” العمليات الانتخابية، الفصل بين التنظيم والتسيير”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،سلسلة دراسات” العدد43، السنة 2002، ص11.

  مقتطف من خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الخامسة، في يوم 5 أكتوبر 2011.[2]

3 راجع قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، عدد 244، تاريخ 24/03/2004، في الملف عدد 357/4/2/2004، أورده: الدكتور محمد محجوبي في مقاله” حدود اختصاص القاضي الإداري في المنازعات الانتخابية، مداخلة في إطار الندوة الجهوية السادسة المنظمة من قبل المجلس الأعلى بمناسبة الذكرى الخمسنية لتأسيسه بالرباط يومي 10/11 ماي 2007 في موضوع المنازعات الانتخابية والجبائية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى ، مطبعة الأمنية الرباط 2007، ص63.

4 تنص المادة 26 من قانون رقم 90-41 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية:

1 – بالنظر، بدلا من المحاكم الابتدائية، في الطعون المنصوص عليها في:

– الظهير الشريف رقم1.59.161 بتاريخ27 من صفر 1379 (فاتح سبتمبر 1959) المتعلق بانتخاب مجالس الجماعات الحضرية والقروية، وتحل نتيجة لذلك عبارة “المحكمة الإدارية “وعبارة “رئيس المحكمة الإدارية” محل عبارة “المحكمة الابتدائية ” وعبارة ” رئيس المحكمة الابتدائية ” في الفصول 13 (الفقرة الثالثة) و17 (الفقرة السادسة) و19 (الفقرة الأخيرة) و30 (الفقرة الثانية) و33 و34 و35 و37 و39 من الظهير الشريف المذكور؛

– الظهير الشريف رقم1.63.273 بتاريخ 22 من ربيع الآخر 1383 (12 سبتمبر 1963) المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم ومجالسها، وتحل نتيجة لذلك عبارة ” المحكمة الإدارية وعبارة “رئيس المحكمة الإدارية ” محل عبارة ” المحكمة الابتدائية ” وعبارة ” رئيس المحكمة الابتدائية ” في الفصول 10 و21 و22 و27 و28 و29 و30 من الظهير الشريف المذكور؛

الظهير الشريف رقم1.62.281 الصادر في 24 من جمادى الأولى 1382 ( 24 أكتوبر 1962) بتحديد النظام الأساسي للغرف الفلاحية، وتحل نتيجة لذلك عبارة ” المحكمة الإدارية” وعبارة ” رئيس المحكمة الإدارية ” محل عبارة ” المحكمة الابتدائية ” وعبارة ” رئيس المحكمة الابتدائية “في الفصول 11 و25 و29 و30 و31 و33 و35 من الظهير الشريف المذكور؛

– الظهير الشريف رقم1.63.194 الصادر في 5 صفر 1383 (28 يونيو 1963) بتحديد النظام الأساسي لغرف الصناعة التقليدية، وتحل نتيجة لذلك عبارة ” المحكمة الإدارية ” وعبارة “رئيس المحكمة الإدارية ” محل عبارة ” المحكمة الابتدائية ” وعبارة ” رئيس المحكمة الابتدائية ” في الفصول 11 ( البند 2 و25 (الفقرة الثانية) و29 و30 و31 و 33 و34 من الظهير الشريف المذكور.

– الظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون رقم 1.77.42 الصادر في 7 صفر 1397 (28 يناير 1977) بتحديد النظام الأساسي للغرف التجارية والصناعية، وتحل نتيجة لذلك عبارة ” المحكمة الإدارية وعبارة ” رئيس المحكمة الإدارية ” محل عبارة “المحكمة الابتدائية ” وعبارة ” رئيس المحكمة الابتدائية ” في الفصول 17 (الفقرة السادسة) و27 (الفقرة الأخيرة) و32 و33 و34 و36 و38 من الظهير الشريف المذكور؛

2 – بالنظر في النزاعات الناشئة بمناسبة انتخاب ممثلي الموظفين في اللجان الإدارية الثنائية التمثيل المنصوص عليها في الظهير الشريف رقم 1.58.008بتاريخ 4 شعبان 1377 (24 فبراير 1958) المعتبر بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية وفي الأنظمة الأساسية الخاصة بموظفي الجماعات الحضرية والقروية والعاملين في المؤسسات العامة.

5 للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضرع، راجح مداخلة للدكتور محمد محجوبي: ” حدود اختصاص القاضي الإداري في المنازعات الانتخابية” مرجع سبق ذكره، ص 54 الي64.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقعنا الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر، وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: اننا نشجّع قرّاءنا على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا نسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا نسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا نسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية.


أخبار وطنية

القضاء الفرنسي يدين صحفيين حاولا ابتزاز  ملك محمد السادس
10 نوفمبر 2017 / قراءة

القضاء الفرنسي يدين صحفيين حاولا ابتزاز ملك محمد السادس

صفروسوريز: وكالات أفادت وكالة ” فرانس برس” بأن القضاء الفرنسي اعترف اليوم بصلاحية تسجيلين سريين أديا لاتهام صحفيين فرنسيين، هما كاترين غراسييه وإيريك لوران، بابتزازهما ملك المغرب، محمد السادس. وقالت محكمة التمييز إن التسجيلين أجراهما مبعوث من الرباط بدون “مشاركة حقيقية” من المحققين، ما يسمح بتأكيد “صحة الدليل”، الأمر الذي خيب…
+ المزيد من أخبار وطنية ...