اليوم الأحد 19 نوفمبر 2017 - 4:14 مساءً
أخر تحديث : الإثنين 3 أغسطس 2015 - 3:08 مساءً

قضاء الإجازة عند الأقارب.. فسحة قوم عند قوم متاعب

عبد الرحيم بلشقار بنعلي
على الرغم من التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي، إلا أن فئة عريضة من العائلات ما تزال تقصد أقاربها في عطلة الصيف لقضاء بعض أيام الإجازة من أجل الاستجمام، ولئن كان هذا الاختيار يمكن الأسر التي تنزل عند أقاربها من قضاء العطلة بأقل التكاليف ويخفف عنها عبئا ثقيلا من المصاريف، فإنها في المقابل تثقل كاهل المستضيفين بتكاليف الإنفاق طيلة مدة إقامتهم من باب إكرام الضيف وحسن استضافته، كما أنها تزيد من حجم أتعابهم اليومية في العمل المنزلي وغيره، فكيف ينظر الإسلام إلى هذا النوع من الزيارات؟ هل تدخل ضمن زيارة صلة الأرحام أو الواجبة أو المستحبة؟ وما حكمها في الشرع؟ وما هي آداب وضوابط الزيارة ؟ وكم هي مدة الإقامة ؟

محن المضيف

“نعيمة” ربة بيت تبلغ من العمر 47 سنة، بدأ التعب والجهد ينال منها بعد سنوات من العمل المنزلي في خدمة وتربية ستة من أبناءها إلى أن كبروا واشتد عودهم وتزوجوا وأنجبوا الأولاد، ورغم ذلك تقول ل”جديد بريس”، ما يزال منزلها بمدينة طنجة وجهة لعدد من أقربائها في فصل الصيف، فبالإضافة إلى أبناءها المتزوجين وأبناءهم يفد إليها أخواها المقيمين في إيطاليا وبلجيكا رفقة أبناءهم للإقامة في منزلها المتكون من طابقين لقضاء فترة الإجازة، وبعد مغادرتهم تأتي عندها أختها ذات الثلاثة أبناء من إحدى مناطق الجنوب الشرقي للاستجمام بشواطئ مدينة طنجة. وتحكي “نعيمة” أن مساحة المنزل لم تعد تستوعب تزايد عدد أفراد عائلتها إذا ما جاءوا في نفس الوقت، كما أن تقدمها في السن هي وزوجها لم يعد يسعفها لخدمة ضيوفها لأيام كثيرة متواصلة، من طهي وإعداد الطعام وغسل الأواني وترتيب فراش البيت وكنسه، علاوة على زيادة تكاليف الإنفاق وتوفير المواد الغذائية وارتفاع فاتورة الماء والكهرباء.

حالة “نعيمة” ليست وحدها من تعاني في صمت كما قالت، وإنما هناك أسر أخرى تستقبل أقرباؤها لقضاء جزء من فترة الإجازة الصيفية، بينهم “زكريا” شاب في الثلاثينيات من عمره متزوج وله ابنة واحدة، يقطن بمدينة المحمدية، بعد دخول فصل الصيف تنهال عليه المكالمات الهاتفية “ألو زكريا أنا ابن خالتك، سآتي عندك الأسبوع المقبل لقضاء بضعة أيام..”، يروي المتحدث لـ “التجديد” معاناته مع نزول بعض من أقرباءه خلال كل عطلة صيف منذ أن حصل على عمل قبل أربع سنوات بإحدى الشركات في الدار البيضاء واختار العيش بمدينة الزهور الشاطئية، مشيرا إلى أنه في كل عطلة صيف يأتي عنده ثلاث أسر من أقاربه بالإضافة إلى أفراد أسرته وإخوته الصغار، يقضون عنده ما بين ثلاثة أيام وأسبوع يقتسمون معه مسكنه الذي ليس سوى شقة في السكن الاقتصادي لا تتعدى مساحتها 85 مترا، ورغم ذلك يردف زكريا “لا أستطيع أن أعتذر عن ضيافتهم، أرحب بهم وأقدم لهم ما توفر دون تكلف ولا تقشف”.

حسن الضيافة

يقول المثل الشعبي “ضيافة النبي ثلاثة أيام”، ويستمد هذا المثل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي (أي يبقى) عنده حتى يحرجه» أخرجه البخاري. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم حثنا على الضيافة وإكرام الضيف فإنه كذلك لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”.

يوضح الدكتور محمد بولوز الواعظ الرسمي بمساجد الرباط، أن حسن الضيافة من كمائل الإيمان، جاء في الحديث الصحيح عَنْ أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه عن رَسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: (مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخرِ ، فَلْيَقُلْ خَيراً أَوْ لِيَصْمُتْ ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) رواه البخاريُّ ومُسلمٌ فممَّا أمر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المؤمنين : إكرامُ الضيف ، والمرادُ : إحسّانُ ضيافته ، وفي قصة إبراهيم عليه السلام مع ضيوفه قدوة من نبي كريم قال تعالى:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ، إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ}

قال ابن كثير رحمه الله تعليقا على الآية: هذه الآية انتظمت آداب الضيافة؛ فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولاً فقال: نأتيكم بطعام، بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم لم يضعه وقال: اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، (…) (و) قال: {أَلا تَأْكُلُونَ} على سبيل العرض والتلطف، (…) وقوله عز وجل: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ} أي انسل خفية في سرعة {فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي من خيار ماله، وفي الآية الأخرى:{فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}[هود: 69] أي مشوي” قال عبد الله بن عمرو: مَنْ لم يُضِف، فليس مِن محمَّدٍ، ولا من إبراهيم.

مدة الضيافة

وبخصوص مدة الضيافة التي حددها الشرع تبدأ بالوجبة الواحدة واليوم والليلة إلى ثلاثة أيام، ففي “الصحيحين” من حديث أبي شُريح ، قال : أبصَرَتْ عيناي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وسمعتهُ أذنايَ حينَ تكلَّم به قال : ( مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليوم الآخر ، فليُكْرِمْ ضيفَه جائزته ) قالوا : وما جائزته ؟ قال : ( يَومٌ وليلة ) قال : ( والضيافةُ ثلاثةُ أيام ، وما كان بعد ذلك ، فهو صدقة ) .
والأصل تجنب إحراج من يضيفوننا ويتفضلون باستقبالنا في بيوتهم، خرَّج مسلم من حديث أبي شُريح أيضاً ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ( الضيافة ثلاثةُ أيَّام ، وجائزتُه يومٌ وليلةٌ ، وما أنفق عليه بعد ذلك ، فهو صدقةٌ ، ولا يَحِلُّ له أنْ يَثْوِي عندَه حتى يُؤْثِمهُ ) ، قالوا : يا رسول الله وكيف يُؤثِمُهُ ؟ قالَ : ( يُقيم عنده ولا شيءَ لهُ يقرِيه به ) . وعموما لا يقيم عنده حتى يحرجه ويضيق عليه.
ففي هذه الأحاديث أنَّ جائزة الضيف يومٌ وليلةٌ ، يُكرمه ويُتحفه ويخصه ويميزه عن حاله المعتاد بحسب قدرته واستطاعته من غير عنت ولا تكلف، وأنَّ الضيافة ثلاثةُ أيام، يكرمه في اليومين المتبقيين بما يكرم به أهله وذويه، وقد جاء النهي عن التكلف للضيف بما ليس عند الإنسان، فإذا لم يكن عنده فَضلٌ لم يلزمه شيءٌ ، وأما إذا آثَرَ على نفسه ، كما فعل الأنصاريُّ الذي نزل فيه قوله تعالى:” وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ” فذلك مقامُ فضلٍ وإحسّان ، وليس بواجب .
والضيوف عموما كل من لا تجب نفقتهم على الانسان، وأما من تجب نفقتهم فلا يعدون ضيوفا كالأصول والفروع وخصوصا منهم المحتاجون ويمتعون بالجائزة (أي التفضيل والتمييز بيوم وليلة)وأكثر من ذلك.

توجيهات للزائر

يؤكد الدكتور محمد بولوز على ضرورة استحضار الزائر جملة أمور حتى لا يسبب تضييقا وحرجا لمن يزورهم، من ذلك الاستئذان والتأكد من رضى المستقبلين، ومناسبة وقت الزيارة، وعدم إرباك برامجهم الخاصة كحقهم في العطلة والسفر أيضا، وقد تيسرت في زماننا سبل ذلك من وسائل الاتصال، وعند الزيارة يجب تجنب الخلوة بمن لا يحل له من الأقارب بين الرجال والنساء، والاحتياط للعورات، وعدم الاختلاط المخل، وكذا التأكد من سعة المكان وقدرات وإمكانات المستقبل، وحتى إذا كان الأمر بدعوة ورضى كامل فيستحسن مصاحبة هدايا وحتى المساهمة في بعض المصاريف والنفقات وليستحضر الزائر أنه لو توجه إلى الفندق والمنتجع السياحي فسينفق أضعاف أضعاف ذلك.
وكما يقال في لساننا الدارج “الله يرحم لي زار وخفف”، أما من ابتلي بمن لا يفهم آداب الزيارة ولا يقدر ظروف الناس فله أن يستعين بغيره من الأقارب وغيرهم من الناس حتى يكلموا الزائر لمعرفة تلك الآداب وتقدير الأحوال.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقعنا الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر، وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: اننا نشجّع قرّاءنا على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا نسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا نسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا نسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية.


أخبار وطنية

القضاء الفرنسي يدين صحفيين حاولا ابتزاز  ملك محمد السادس
10 نوفمبر 2017 / قراءة

القضاء الفرنسي يدين صحفيين حاولا ابتزاز ملك محمد السادس

صفروسوريز: وكالات أفادت وكالة ” فرانس برس” بأن القضاء الفرنسي اعترف اليوم بصلاحية تسجيلين سريين أديا لاتهام صحفيين فرنسيين، هما كاترين غراسييه وإيريك لوران، بابتزازهما ملك المغرب، محمد السادس. وقالت محكمة التمييز إن التسجيلين أجراهما مبعوث من الرباط بدون “مشاركة حقيقية” من المحققين، ما يسمح بتأكيد “صحة الدليل”، الأمر الذي خيب…
+ المزيد من أخبار وطنية ...